لطالما شكّلت ليبيا وجهةً حيويةً للسودانيين الباحثين عن فرص أفضل، وملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب. ويمتد الوجود السوداني في الأراضي الليبية لعقود طويلة، وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث أسهمت هذه الجالية بفاعلية في بناء الاقتصاد الليبي ودعم قطاعاته الحيوية. إلا أن الأيام الأخيرة شهدت تصعيداً مقلقاً في حملات الترحيل التي تستهدف السودانيين، ما يثير تساؤلات جدية حول دوافع هذه الحملات وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
جذور الوجود السوداني وتأثيره الاقتصادي في ليبيا
تاريخياً، كان السودانيون من أوائل الجاليات التي استقرت في ليبيا، مدفوعين بعوامل الجوار الجغرافي والروابط الثقافية والاقتصادية. وقد لعبوا دوراً محورياً في نهضة قطاعات حيوية، أبرزها الزراعة، حيث عملوا في مشاريع زراعية كبرى مثل الكفرة ومناطق الجنوب الليبي، وأسهموا في تعزيز الأمن الغذائي. كما برزوا في مجالي التعليم والصحة، مقدمين خدمات أساسية للمجتمع الليبي.
واكتسبت الجالية السودانية سمعة طيبة بفضل انضباطها واجتهادها وقدرتها على الاندماج في النسيج الاجتماعي الليبي، ما جعلها من أبرز الجاليات الأجنبية العاملة في البلاد. ولم يكن هذا الوجود مجرد هجرة عابرة، بل مثّل شراكة حقيقية في التنمية، إذ أثرت الجالية السودانية الحياة الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا بصورة ملموسة.
حملات الترحيل العشوائية ومخاوف الانتهاكات
في الآونة الأخيرة، تصاعدت وتيرة حملات الترحيل التي ينفذها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا، وتحديداً في مدن طبرق وأجدابيا وبنغازي. وقد اتسمت هذه الحملات، التي جرت خلال الأسبوع الأول من يونيو 2026، بالعشوائية والافتقار إلى الإجراءات القانونية السليمة.
وتشير التقارير إلى توقيف وترحيل مئات السودانيين قسراً إلى السودان، من دون السماح لهم بجمع مقتنياتهم الشخصية. كما أظهرت مقاطع مصورة متداولة عمليات توقيف جماعية، وتعرّض بعض المهاجرين لمعاملة قاسية وإهانات، إلى جانب نشر صورهم ومقاطع فيديو لهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يزيد من معاناتهم ويُعدّ انتهاكاً صارخاً لكرامتهم الإنسانية.
وكشفت متابعات عن وجود أكثر من ألف لاجئ سوداني محتجزين في مراكز إيواء بمدينة بنغازي، في ظروف صحية وأمنية متردية، من دون الإفراج عنهم أو ترحيلهم وفق إجراءات منظمة وواضحة.
الأبعاد السياسية: تصفية حسابات أم تنظيم للهجرة؟
تتجاوز هذه الحملات، في نظر كثيرين، مسألة تنظيم الهجرة غير الشرعية، لتطرح تساؤلات أعمق بشأن أبعادها السياسية. فمن بين المرحّلين أو المحتجزين ناشطون سودانيون معروفون بمعارضتهم لحكومة بورتسودان، من بينهم علاء الدين طيارة، الذي تأكد احتجازه في بنغازي.
ويثير هذا الأمر مخاوف لدى ناشطين سودانيين مؤيدين لتحالف تأسيس، الذي يمثل الحكومة الموازية في نيالا، من احتمال وجود تنسيق أمني بين سلطات شرق ليبيا وحكومة بورتسودان بهدف ملاحقة المعارضين السياسيين أو التضييق عليهم.
وقد ناشد عدد من الناشطين الجهات المعنية والمنظمات الحقوقية التدخل العاجل لمنع ترحيل المعارضين السياسيين إلى مناطق سيطرة حكومة بورتسودان، خشية تعرضهم للاعتقال التعسفي أو لانتهاكات أخرى. وتزداد هذه المخاوف في ظل حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي يشهدها السودان، ما يجعل أي عملية ترحيل قسري لهؤلاء الأفراد موضع قلق بالغ.
تحليل وتداعيات: بين السيادة الوطنية وحقوق الإنسان
إن ما يحدث في ليبيا من حملات ترحيل للسودانيين، وما يصاحبها من اتهامات بوقوع انتهاكات، يضع السلطات الليبية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كبيرة. فبينما يحق لأي دولة تنظيم دخول وإقامة الأجانب على أراضيها، فإن ذلك يجب أن يتم في إطار احترام حقوق الإنسان والالتزام بالمعايير الدولية ذات الصلة.
فالترحيل العشوائي، ومصادرة الممتلكات الشخصية، واحتجاز الأفراد في ظروف غير إنسانية، كلها ممارسات تتعارض مع مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية. كما أن استهداف ناشطين سياسيين معارضين لحكومة بلادهم، وتسليمهم المحتمل إلى تلك الحكومة، يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو الخطر.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأحداث على الأفراد المتضررين فحسب، بل تمتد لتؤثر على العلاقات بين البلدين، وتزيد من تعقيد المشهدين الإنساني والسياسي في المنطقة. ويتطلب هذا الوضع تدخلاً عاجلاً من المنظمات الدولية والجهات الحقوقية والمجتمع المدني للضغط من أجل وقف أي انتهاكات محتملة، وضمان معاملة قانونية وإنسانية للمهاجرين واللاجئين السودانيين، وحماية الناشطين السياسيين من أي ترحيل قسري قد يعرّض حياتهم أو حريتهم للخطر.
لقد كان السودانيون في ليبيا، على مدى عقود، جزءاً مهماً من مسيرة التنمية والإنتاج، وأسهموا في دعم قطاعات حيوية داخل البلاد. واليوم، يجد كثير منهم أنفسهم في مواجهة مصير غامض تحت وطأة حملات الترحيل، في مشهد يعكس تحديات معقدة تتقاطع فيه اعتبارات السيادة الوطنية مع مقتضيات حقوق الإنسان والعدالة في زمن الأزمات الإقليمية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.