أمن الخرطوم تحت الاختبار.. حملات متلاحقة وجريمة مستمرة

تقرير: عين الحقيقة

رغم تكثيف الحملات الأمنية وانتشار الشرطة في عدد من محليات الولاية، لا تزال الخرطوم تواجه تحديات أمنية متعددة، وفق أحدث حصيلة أعلنتها شرطة الولاية، في وقت تحاول فيه المدينة استعادة مظاهر الحياة الطبيعية بعد سنوات من الحرب والاضطراب.

 

وتكشف البلاغات التي أعلنت عنها الشرطة عن تنوع لافت في الجرائم، من النهب وترويج المخدرات وحيازة الأسلحة والمركبات غير المقننة، إلى السرقات والاعتداءات الجنائية ومخالفات مرتبطة بالأنشطة التجارية، بما يعكس واقعاً أمنياً لا تزال تداعيات الحرب تلقي بثقلها عليه.

 

وفي أحدث حصيلة نشرتها شرطة ولاية الخرطوم عبر منصاتها الإعلامية، الأحد 27 سبتمبر 2026، أعلنت تنفيذ عمليات وحملات أمنية في أم درمان وجبل أولياء وأمبدة، قالت إنها أسفرت عن توقيف عدد من المتهمين وضبط مخدرات وأسلحة ومسروقات ومركبات غير مقننة، إلى جانب تفكيك شبكات قالت إنها تنشط في ارتكاب جرائم مختلفة.

 

أم درمان.. المخدرات والنهب في الواجهة

 

في أم درمان، أعلنت مباحث قسم أم درمان شمال ضبط شبكة لترويج المخدرات، وقالت إن أفرادها قدموا من ولاية النيل الأبيض، مشيرة إلى القبض على رئيس الشبكة المعروف بلقب «المعلم» واثنين من معاونيه.

 

وفي منطقة أبو سعد شرق، قالت الشرطة إنها ألقت القبض على متهمين في بلاغي نهب، وتمكنت من استرداد المسروقات، بينما أسفرت حملة أخرى في أم درمان الأوسط عن توقيف ثمانية متهمين.

 

وتأتي هذه العمليات في محلية تشهد عودة تدريجية للسكان والأنشطة التجارية والخدمية، ما يجعل استقرار الأحياء والأسواق عاملاً حاسماً في استعادة الحياة المدنية في العاصمة.

 

جبل أولياء.. انتشار ليلي وملاحقة للمشتبه بهم

 

وفي محلية جبل أولياء، أعلنت الشرطة تنفيذ حملات وأطواف أمنية ليلية قالت إنها أسفرت عن توقيف عشرات الأشخاص واسترداد ممتلكات ومسروقات، إلى جانب فتح بلاغات تتعلق بالمخدرات والمسكرات وحيازة ممتلكات مسروقة.

 

كما أعلنت ضبط شخص قالت إنه يتاجر بالمخدرات، إلى جانب تفكيك عصابة اتهمتها بتنفيذ نهب مسلح والاستيلاء على أموال وهاتف تحت تهديد السلاح.

 

ويشير تكثيف الأطواف الليلية إلى محاولة الأجهزة الأمنية تعزيز حضورها في المناطق التي تشهد حركة سكانية وتجارية متزايدة، خصوصاً في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بالنهب والسرقات والجرائم التي تستغل الثغرات الأمنية.

 

أمبدة.. الأمن يمتد إلى الأسواق

 

وفي أمبدة، امتدت الحملات إلى الأسواق والأنشطة التجارية، حيث أعلنت الشرطة ضبط مصنع في سوق ليبيا، قالت إنه يعمل على إعادة خلط وتعبئة زيوت غذائية فاسدة، إلى جانب ضبط مخدرات وأسلحة نارية ومركبات غير مقننة.

 

كما أعلنت توقيف متهم على خلفية قضية قتل، قالت إن ملابساتها تعود إلى مشاجرة.

 

وتكشف هذه الوقائع أن التحديات التي تواجهها العاصمة لا تقتصر على الجرائم المرتبطة بالسلاح والنهب، بل تمتد إلى أنشطة تجارية قد تمس سلامة المواطنين وصحتهم، الأمر الذي يضع الأجهزة الأمنية والرقابية أمام مسؤوليات متداخلة تتجاوز حفظ الأمن إلى مراقبة الأسواق وحماية المستهلك.

 

بين الحملات واستدامة الأمن

 

وبقدر ما تعكس الحصيلة نشاطاً أمنياً متزايداً، فإن تعدد البلاغات وتوزعها بين محليات العاصمة يسلطان الضوء على حجم التحدي الذي تواجهه الخرطوم في طريق استعادة الاستقرار.

 

فاستمرار البلاغات المتعلقة بالمخدرات والنهب والأسلحة والسرقات، بالتزامن مع الحملات والأطواف المتكررة، يطرح سؤالاً يتجاوز عدد الموقوفين والمضبوطات إلى قدرة المؤسسات على الانتقال من الاستجابة للجرائم بعد وقوعها إلى بناء منظومة أمنية أكثر استدامة.

 

فالمدينة التي خرجت من حرب طويلة لا تواجه تحديات أمنية منفصلة عن واقعها الاجتماعي والاقتصادي. فقد ألحقت الحرب أضراراً بالبنية التحتية، وأضعفت الخدمات، وأثرت على مؤسسات الدولة والحياة الاقتصادية، وهي عوامل يمكن أن تزيد من هشاشة البيئة الأمنية وتفتح المجال أمام أنماط مختلفة من الجرائم.

 

ومن ثم، فإن استعادة الأمن لا ترتبط فقط بزيادة الدوريات أو تنفيذ الحملات، وإنما تتطلب أيضاً إعادة بناء مؤسسات الشرطة والعدالة، وتعزيز الرقابة، واستعادة الخدمات، وضمان حضور مؤسسات الدولة بصورة منتظمة في الأحياء والأسواق، إلى جانب معالجة الظروف التي تساعد على انتشار الجريمة.

 

وفي المقابل، تؤكد شرطة ولاية الخرطوم استمرار حملاتها لملاحقة المتهمين وضبط المخالفات وبسط القانون، فيما تظل الاتهامات الواردة في الحصيلة الأمنية ضمن نطاق التحريات والإجراءات القانونية، إلى حين اكتمال التحقيقات والفصل القضائي فيها.

 

وتضع الحصيلة الأخيرة الخرطوم أمام صورة مزدوجة؛ أجهزة أمنية تكثف حملاتها لملاحقة الجريمة، ومدينة لا تزال تبحث عن استقرار يسمح لسكانها باستعادة حياتهم اليومية.

 

وبينما تمثل الحملات الأمنية جزءاً من معادلة استعادة الأمن، فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا الانتشار الأمني من استجابة مؤقتة إلى منظومة مستدامة، تعالج أسباب الجريمة، وتعيد بناء مؤسسات الدولة والخدمات والثقة العامة، حتى يصبح الأمان في الخرطوم واقعاً يومياً، لا نتيجة مؤقتة لحملة أمنية جديدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.