تظل العودة إلى الوطن الحلم الأكبر والشغف الشديد الذي يراود ملايين السودانيين الذين شتتهم الحرب بين معسكرات اللجوء ودول الشتات. فالشوق للديار، والحنين إلى الأزقة والحارات، والرغبة في استعادة الحياة الطبيعية، مشاعر صادقة وأصيلة لا يمكن لأحد أن يزايد عليها أو يقلل من قيمتها.
غير أن تحويل هذا الحلم إلى واقع ملموس يحتاج إلى القراءة النقدية والمسؤولة للواقع، بعيداً عن العواطف المندفعة أو الانجرار خلف دعوات غير مكتملة الأركان. إن العودة التي يتمناها كل سوداني ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي بحث عن الأمن والاستقرار والمستقبل.
تتجسد محددات العودة الحقّة والآمنة في نقاط جوهرية لا يمكن التغاضي عنها:
الشرط الأساسي.. إيقاف الحرب أولاً: لا يمكن الحديث عن عودة حقيقية وآمنة في ظل استمرار المواجهات المسلحة أو وجود مخاطر أمنية تهدد حياة المواطنين. إن وقف إطلاق النار الدائم والشامل هو الحجر الزاوية لأي استقرار.
إعادة بناء الخدمات الأساسية: العودة إلى منازل ومناطق تفتقر لأبسط المقومات — من مياه صالحة للشرب، وكهرباء، ورعاية صحية، ومدارس لأبنائنا — تحول الاستقرار المفترض إلى معاناة جديدة تضاعف من أعباء الأسر.
تهيئة البيئة الاقتصادية وتوفير سبل العيش: الاستقرار المادي وتوفر السيولة والأسواق الحية وشرايين العمل هي الضمان الوحيد لاستمرار العائلات واعتمادها على نفسها بعيداً عن الحاجة والعوز.
تأمين البنية التحتية والسلامة: يجب ضمان خلو الأحياء السكنية والمناطق المأهولة من أي مظاهر عسكرية أو مخلفات قد تشكل خطراً على سلامة العائدين وأطفالهم.
إن الرغبة الجارفة في العودة إلى السودان حق مشروع لكل مواطن، لكن العودة غير المحسوبة قبل توفير بيئة آمنة ومستقرة قد تتحول من أمل في النجاة إلى تجربة قاسية أخرى. إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تتطلب التركيز أولاً على إيقاف الحرب، وتهيئة الأوضاع الإنسانية والأمنية، ليكون طريق العودة إلى الوطن طريقاً نحو الحياة والكرامة، لا نحو المجهول.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.