أوقفوا العودة الطوعية لحين إيقاف الحرب: الخرطوم ليست بخير

 نورا عثمان

 

 

تتزايد في الآونة الأخيرة الدعوات والترتيبات الصادرة عن بعض الجهات لتشجيع العائدين من دول اللجوء عبر ما يُسمى بـ “برامج العودة الطوعية”، وتحثُّ الأسر النازحة واللاجئة على العودة إلى العاصمة الخرطوم بدعوى انحسار المعارك واستقرار الأوضاع. غير أن النظر إلى الواقع الميداني والإنساني داخل الخرطوم يكشف جلياً أن هذه الدعوات لا تعدو كونها اندفاعاً غير محسوب، يلقي بآلاف المواطنين في أتون معاناة جديدة أشد ضراوة.

إن الحديث عن عودة طوعية في ظل استمرار الحرب وغياب مقومات الحياة الأساسية هو مجرد هروب من مواجهة الحقيقة. فالخرطوم اليوم لا تزال تعاني من أزمة إنسانية وخدمية معقدة تجعل من استقرار العائلات والأطفال أمراً بالغ الصعوبة، ويمكن تلخيص أبرز معالم هذه الأزمة في النقاط التالية:

انهيار المنظومة الصحية: تعاني المستشفيات والمراكز الصحية في العاصمة من نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، والكوادر الطبية، والمستلزمات الأساسية، مما يضع أصحاب الأمراض المزمنة والأطفال في مواجهة مباشرة مع خطر الموت دون علاج.

توقف القطاع التعليمي: تفتقر الغالبية العظمى من المدارس والمؤسسات التعليمية إلى الجاهزية التشغيلية، سواء جراء الأضرار المادية أو استخدامها كمقرات إيواء، مما يعني حرمان الأبناء من حقهم الأساسي في التعليم وتركهم لمجهول محقق.

شح السيولة وانعدام فرص العمل: يشهد السوق المحلي انعداماً شبه تام للسيولة النقدية، وتوقفا لغالبية الانشطة الاقتصادية والتجارية، ما يجعل الحصول على الاحتياجات اليومية وتوفير قوت اليوم أمراً تعجز عنه معظم الأسر العائدة.

تردي الخدمات الأساسية: تتواصل أزمات انقطاع الكهرباء والمياه لمدت طويلة، إلى جانب الأضرار البالغة التي لحقت بالبنية التحتية للمنازل والمرافق العامة.

إن مقارنة بسيطة بين الواقع القاسي داخل الخرطوم وبين المعسكرات ومناطق اللجوء — على ما فيها من صعوبات — توضح جلياً أن المعسكرات توفر حداً أدنى من الإغاثة الغذائية والرعاية الطبية الأساسية التي تفتقر إليها الخرطوم في الوقت الراهن.

عليه، فإن المنطق الإنساني والأخلاقي يتطلب وقف كافة برامج ومبادرات العودة الطوعية فوراً، وعدم الدفع بالمواطنين ونقلهم من معاناة اللجوء إلى جحيم الانعدام الخدمي والمعيشي. يجب أن تتركز جميع الجهود أولاً على إيقاف الحرب، وتأمين المرافق العامة، وإعادة بناء المنظومة الصحية والتعليمية وتوفير الخدمات النقدية والغذائية، قبل التفكير في إعادة أي مواطن إلى بيته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.