البرهان في الزاوية، هل هي الـ Game Over؟ واشنطن أغلقت المخارج، هدسون؛ “لا منفذ للبرهان يحفظ به ماء وجهه”

علاء خيراوي

■ في الرابع والعشرين من سبتمبر ٢٠٢٦، وبعد أيام من تفجر أزمة تأشيرة عبد الفتاح البرهان وتصاعد اللهجة الأمريكية تجاه طرفي الحرب، قدّم كاميرون هدسون، المسؤول الأمريكي السابق والخبير في الشأن السوداني، واحدة من أوضح القراءات لما تفعله واشنطن. ففي حديثه لموقع سيمافور (Semafor) قال إن الولايات المتحدة ظلت “ترفع الضغط بصورة مطردة” على الجيش، على افتراض أن بلوغ الضغط مستوى كافياً سيدفعه في النهاية إلى التراجع والتوقيع على اتفاق. ثم ذهب أبعد من ذلك، محذراً من أن واشنطن جعلت الدبلوماسية نفسها أكثر صعوبة حين نزعت الشرعية عن الطرف الذي يفترض أن تجلس معه إلى طاولة التفاوض. وبعدها بأيام، في ٢٨ سبتمبر، أوضح للمنصة الرقمية لشبكة فوكس نيوز (Fox News Digital) أن فهمه لما جرى هو أن واشنطن كانت قد طلبت من الجانب السوداني إرسال وفد إلى الأمم المتحدة وإلى واشنطن لإجراء محادثات حول وقف إطلاق النار، قبل أن تصبح، بحسب روايته، تأشيرة البرهان مرتبطة بالتوقيع على الاتفاق قبل السفر؛ ولذلك قال إن القرار الأمريكي في اللحظة الأخيرة “لا يبدو منطقياً تماماً”. ومن مجموع هذه المواقف تتشكل خلاصة هدسون الأشد دلالة؛ أن واشنطن لم تكتفِ بالضغط على البرهان، بل دفعت المواجهة إلى نقطة ضاقت فيها أمامه مخارج التراجع، ولم تترك له، عملياً، مساحة واسعة يحفظ بها ماء وجهه إذا قرر القبول. إذاً، لم تعد أزمة عبد الفتاح البرهان مع واشنطن مجرد خلاف حول تأشيرة دخول إلى نيويورك أو سجال عابر بشأن مقترح لوقف إطلاق النار؛ فبحسب قراءة هدسون، القريب من بورتسودان، فإن الإدارة الأمريكية رفعت مستوى الضغط على قيادة الجيش إلى درجة جعلت مساحة المناورة أمام البرهان شديدة الضيق. هدسون يرى أن واشنطن ظلت تصعّد الضغط تدريجياً، من العقوبات المرتبطة باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، إلى التحرك لتوسيع حظر السلاح، ثم أزمة التأشيرة، على افتراض أن تراكم هذه الضغوط سيدفع البرهان في النهاية إلى القبول بوقف إطلاق النار.
■ وجوهر ملاحظة هدسون ليس دفاعاً عن البرهان، بقدر ما هو نقد لطريقة إدارة واشنطن للمواجهة؛ فعندما تدفع خصمك إلى زاوية لا يرى فيها سوى القبول بما هو مطروح أو الدخول في مواجهة مفتوحة، فإنك تقلص المساحة التي يستطيع أن يقدم فيها أي تنازل لجمهوره باعتباره تسوية لا استسلاماً. وهنا تصبح عبارة “حفظ ماء الوجه” مهمة سياسياً؛ لأن التسويات الناجحة لا تقوم فقط على الضغط، بل على ترك مخرج للطرف الآخر يستطيع عبره أن يبرر تراجعه دون أن يبدو منهاراً أمام معسكره. لكن البرهان، في المقابل، ساهم بنفسه في تضييق هذا المخرج كلما رفع سقف خطاب التحدي، وقدّم المسألة باعتبارها معركة سيادة وكرامة ورفضاً للانحناء.
■ أزمة التأشيرة جسدت هذا المأزق بأوضح صورة. هدسون قال إن فهمه لما جرى هو أن واشنطن كانت قد طلبت من السودانيين إرسال وفد إلى الأمم المتحدة وإلى واشنطن لإجراء محادثات بشأن وقف إطلاق النار، وإن الجانب السوداني كان يستعد لذلك، قبل أن تصبح، بحسب روايته، تأشيرة البرهان مرتبطة بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل السفر. وإذا صحت هذه الرواية، فإن ما كان يمكن أن يبقى في دائرة التفاوض تحول إلى اختبار علني للإرادة؛ إما أن يوقّع البرهان أولاً، أو يرفض ويتحمل كلفة الرفض. وهنا لم تعد المسألة مجرد اختلاف على تفاصيل هدنة، بل صارت اختباراً سياسياً لمن يفرض شروطه على من.

■ والسؤال الأهم هو؛ لماذا اختارت واشنطن هذا المسار الآن؟ في رائي وكما ذكرت في مقالتين سابقتين؛ لأن السودان لم يعد في نظرها مجرد حرب داخلية يمكن تركها لمسار تفاوضي مفتوح، بل أصبح عقدة في صراع إقليمي أشمل يمتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر وباب المندب، ويتقاطع مباشرة مع حسابات مصر والسعودية والإمارات. فمصر تنظر إلى السودان بوصفه عمقاً أمنياً مباشراً متصلاً بأمن النيل والحدود واستقرار الدولة المركزية، ولا تريد انهيار الجيش أو قيام واقع سوداني مفكك على حدودها الجنوبية؛ والسعودية تنظر إلى الساحل السوداني من زاوية أمن البحر الأحمر والملاحة وموانئها الغربية ومسارات الطاقة، خصوصاً مع تصاعد هشاشة المنطقة من هرمز إلى باب المندب؛ أما الإمارات، فلها مصالح ممتدة في الموانئ والتجارة والذهب وشبكات النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي طرف لا يمكن فصل حساباته عن التنافس الإقليمي على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر. ومع تصاعد تهديد الحوثيين للملاحة، وعودة البحر الأحمر ليصبح شرياناً استراتيجياً للطاقة والتجارة لا مجرد ممر بحري، باتت واشنطن أقل استعداداً لترك السودان يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو إلى فراغ جيوسياسي تستثمر فيه قوى أخرى. لذلك يمكن قراءة الضغط على البرهان الآن باعتباره جزءاً من محاولة أمريكية أوسع لإعادة ترتيب الملف السوداني داخل معادلة أمن البحر الأحمر؛ وقف الحرب أولاً، تقليص قدرة الأطراف الإقليمية على إدارتها بالوكالة، ومنع نشوء سودان مجزأ أو ساحل مضطرب يضيف جبهة جديدة إلى أزمات اليمن وباب المندب والخليج.

■ أما خيارات البرهان، فهي تزداد تعقيداً وتضيق بقدر ما ترتفع كلفة كل واحد منها؛ إما أن يقبل بتسوية ويحاول تغليفها بما يحفظ ما تبقى من صورته أمام معسكره، أو يواصل التحدي ويختبر إلى أي مدى تستطيع واشنطن رفع الثمن، أو يحاول شراء الوقت بالمناورة انتظاراً لتبدل الموازين. لكن أخطر ما في الأمر أن الزمن نفسه لم يعد محايداً؛ فكل يوم يمر بلا مخرج سياسي يجعل التراجع أصعب، والضغط أشد، ومساحة الحركة أضيق. وإذا كان هدسون يرى أن واشنطن لم تترك للبرهان منفذاً يحفظ به ماء وجهه، فإن السؤال الآن لم يعد فقط كيف دخل هذه الزاوية، بل هل بقي أمامه طريق يخرج منها دون أن يدفع ثمناً سياسياً أكبر بكثير مما كان يظن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.