تتسابق البيانات والتقارير الدولية والمحلية يومياً في رصد أرقام المجاعة، وانتشار الأمراض، وتداعي القطاع الصحي، وتشريد الملايين في السودان. وتنشغل المنصات والمؤتمرات بعرض صور المعاناة البشعة والتباكي على الكارثة الإنسانية التي تحيط بالمواطنين من كل جانب. غير أن هذا الصراخ المتواصل والتباكي المستمر على النتائج، مع إغفال السبب الرئيسي والوحيد لهذه الفاجعة، أضحى نوعاً من النفاق السياسي والهروب الصريح من مواجهة الحقيقة.
إن البكاء على الأوضاع الإنسانية القاسية ونقص الأدوية وشح المواد الغذائية لن ينقذ طفلاً ولن يداوي مريضاً ما دامت آلة الحرب تدور وتلتهم كل مقومات الحياة. إن الحديث عن “تحسين المساعدات” أو “فتح الممرات الإنسانية” في ظل استمرار الدويّ العسكري والقصف والدمار، ليس سوى مسكنات واهمة ومحاولة لتجميل واقع لا يمكن التعامل معه إلا بقطعه من الجذور.
تتجلى عبثية هذا الموقف وضرورة الحسم السياسي والعسكري في النقاط التالية: الحرب هي المصنع الأول للكارثة: إن الأزمة الإنسانية والمجاعة وشح السيولة وانهيار المدارس والمستشفيات ليست آفات طبيعية هبطت من السماء، بل هي نتاج مباشر وقهري لاستمرار القتال؛ وأي حديث عن معالجة الآثار دون إيقاف المسبب هو عبث لا معنى له.
استغلال الإغاثة كأداة للمزايدة: تحولت الملفات الإنسانية والمساعدات إلى كارت للمناورة والمزايدات السياسية بين الأطراف المتحاربة، حيث تُستغل معانات المواطنين المقهورين كأوراق ضغط وتفاوض بدلاً من اتخاذ القرار الشجاع بإيقاف إطلاق النار.
استنزاف بيئة العيش الكريمة: لا يمكن لبرامج إغاثية أو سلال غذائية طارئة أن تعوض غياب الأمن، وتوقف عجلة الإنتاج، وانهيار العملة الوطنية؛ فالاستقرار المعيشي والكرامة الإنسانية يرتبطان شرطياً بعودة الحياة الطبيعية وإيقاف القتال.
تخدير الشارع بالبيانات الشكليّة: إن إغراق وسائل الإعلام بالتنديد والقلق الدولي والمطالبات المائعة يمنح القوى المتصارعة وقتاً إضافياً للاستمرار في تدمير ما تبقى من البلاد، تحت مظلة التظاهر بالاهتمام بالملف الإنساني.
كفوا عن البكاء والنواح على أطلال المدن والخدمات والقطاعات المنهارة، وتوقفوا عن تقديم حلول ترقيعية لا تسمن ولا تغني من جوع. إن المطالبة الوحيدة، والأخلاقية، والمنطقية التي يجب أن تجتمع عليها كل الجهات والضمائر الحية اليوم هي: أوقفوا هذه الحرب فوراً وبلا شروط، ودعوا الحياة والكرامة تعود لسودان احتضر طويلاً تحت وطأة القتال.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.