البرهان يلتقي “التيكتوكرات”: محاولة اختراق فاشلة.. والثورة مستمرة

تيسير المبارك

في وقتٍ تتداعى فيه أركان الدولة السودانية تحت وطأة حربٍ طاحنة، وفي لحظةٍ يكتوي فيها المواطنون بأزمات النزوح الشامل، وانهيار العملة، وتردي الخدمات الأساسية، تطالعنا القيادة العسكرية بشرخٍ جديد في جدار المسؤولية الوطنية؛ عبر لقاءاتٍ استعراضية تجمع عبد الفتاح البرهان بـ “صُنّاع المحتوى والتيكتوكرات”. لم تكن هذه اللقاءات سوى محاولة المكشوفة والبائسة للبحث عن شرعية مفقودة وتمرير أجندة فلول النظام السابق والإخوان المسلمين تحت غطاء الترويج البصري والتأثير الرقمي.
إن اللجوء إلى المساحات الموازية ومخاطبة الوجدان الشبابي عبر أدوات التجميع السطحي يعكس حجم المأزق السياسي والاجتماعي الذي تطوق به سلطة الأمر الواقع نفسها. فبعد أن سقطت كل الرهانات السياسية والعسكرية في كسب ثقة الشارع السوداني، يتوهم أرباب هذا المشهد أن “صناعة الترند” وتجنيد المنصات الرقمية يمكن أن يغطي على جراح وطنٍ يئن تحت سياط الدمار والفقر.
وتتجلى أبعاد هذه المحاولة الفاشلة والاستغلال السياسي في النقاط التالية: السراب البحثي عن الشرعية المفقودة: يُظهر التهافت على استقطاب المؤثرين حجم العزلة الشعبية والدولية التي تعاني منها السلطة العسكرية، ومحاولتها صناعة “حاضنة مصنوعة” عوضاً عن الاستجابة لمتطلبات الشارع والالتزام بمسار الانتقال المدني الديمقراطي.
إعادة إنتاج التمكين الإخواني بغلافٍ حديث: تقف خلف هذه التحركات الاستراتيجية الإخوانية القديمة-الجديدة القائمة على اختراق الفضاءات المجتمعية والشبابية، واستغلال الشرائح الفاعلة لتوجيه الخطاب العام وتلميع الواجهة العسكرية التي تضمن إعادة بث الروح في مؤسسات التنظيم الموازية.
الانفصال التام عن الأولويات الإنسانية: بينما يبحث المواطن السوداني عن جرعة دواء، ولقمة عيش، ومدرسة تُفتح لأبنائه، تنشغل القيادة باللقاءات البروتوكولية والصور التذكارية، في تجسيدٍ صارخ لغياب الأولويات والهروب من الأزمات المعيشية الضاربة.
وعي الشارع وسطحية الاختراق: إن محاولات تسويق الخطاب الحربي وسياسات الأمر الواقع عبر “التيكتوك” والمنصات التفاعلية تصطدم بوعي مجتمعي وسياسي تراكم عبر سنوات من النضال؛ فالشارع الذي خبر أساليب الخداع والتمكين لن تنخدع ذاكرته بقشور المشاهد المصنوعة.
إن السلطة التي تعجز عن توفير مقومات الحياة الكريمة وتحقيق السلام والاستقرار، لن تمنحها المنصات الرقمية ولا “الفلاتر” الإعلامية مشروعيةً سُلبت منها في الميدان وفي قلوب المواطنين. إن جذر الأزمة لن يُحل عبر استقطاب المؤثرين، بل عبر إيقاف الحرب، وتفكيك شبكات التمكين الإخوانية، والعودة الصارمة إلى المسار المدني الديمقراطي الذي صدحت به ثورة ديسمبر المجيدة وتستمر في التأكيد عليه كل يوم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.