المغامرة بالبشر في مدن الركام: لماذا تعجل حكومة بورتسودان ببرامج العودة قبل إيقاف الحرب؟

سيف الدولة كمال

في وقتٍ لا تزال فيه المدافع تسود المشهد السوداني، وتتلاحق فيه الأزمات الاقتصادية والإنسانية لتخنق ما تبقى من شرايين الحياة، تطالعنا سلطة بورتسودان بين الحين والآخر بدعواتٍ وحملات مكثفة لإعادة الفارين والنازحين إلى مدنهم ومنازلهم. وتطرح هذه التحركات علامة استفهام جوهرية ومحورية يتردد صداها في أوساط المتابعين والمواطنين على حدٍّ سواء: لماذا لا تنتظر الحكومة إيقاف الحرب أولاً وتأمين الأرض، ومن ثم فتح مسارات العودة المنظمة؟ وما الجدوى الإنسانية والوطنية من إرجاع مواطنين منهكين إلى مدنٍ بلا خدمات ولا أمان ولا مقومات حياة؟
إن القراءة المتأنية لهذه العجلة الحكومية تكشف عن انفصال تام عن الواقع الميداني المعاش، وتؤكد أن ملف “العودة” أضحى يُدار بمنطق استغلال الصورة الذهنية وتصدير إنجازات وهمية، دون أدنى اعتبار للكلفة الإنسانية الباهظة التي يتحملها المواطن العائد.
وتتلخص دوافع هذا الإصرار وعواقب هذه السياسة في البحث عن شرعية الإنجاز وصناعة الاستقرار الزائف: تسعى السلطة من خلال دفع المواطنين للعودة إلى المربعات التي انحسر فيها القتال إلى تسويق صورة مجانبة للواقع مفادها “استتباب الأمن وسيطرة الدولة”، لاستغلال ذلك في تثبيت الشرعية السياسية أمام المجتمع الدولي والمحلي، حتى لو كان ذلك على حساب سلامة العائدين.
أضافة للهروب من التزامات النزوح واللجوء: تشكل استضافة الملايين من الفارين أزمة ضاغطة على الموارد الشحيحة في الولايات المستضيفة ودول الجوار؛ لذا تتجه الحكومة نحو حلول عملية سهلة قائمة على التملص من التزاماتها في رعاية النازحين ودعمهم عبر حثهم على العودة القسرية أو شبه القسرية إلى منازلهم المدمّرة.
العودة إلى مدنٍ بلا مقومات حياة: تعاني المدن والمناطق المخلاة من شللٍ شبه تام في القطاعات الحيوية؛ حيث تغيب الميه النظيفة، وتتوقف المستشفيات، وتغلق المدارس أبوابها، ناهيك عن انعدام الفرص الاقتصادية وتفشي الغلاء المفرط. إن إرجاع المواطنين إلى هذه البيئات هو في حقيقته تحويل لأزمة النزوح إلى أزمة بقاء ومواجهة مباشرة مع الفقر والمرض.
التغاضي عن المهددات الأمنية والمخاطر: إن غياب الاتفاق الشامل على وقف إطلاق النار يعني أن هذه المدن تظل عرضة لتجدد القتال، والانتهاكات، وانتشار المقذوفات غير المنفجرة؛ مما يجعل العودة في هذه الظروف الاستثنائية مغامرة غير محسوبة بأرواح الأسر وأطفالهم.
إن العودة إلى الديار هي حق أصيل وشوق مشروع لكل سوداني أُجبر على مغادرة بيته، لكن العودة الآمنة والكريمة تتطلب شرطين لا يقبلان التجزئة: الإيقاف الفوري والتام للحرب، وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمية التي تجعل البقاء ممكناً.
إن إقحام الملف الإنساني للاجئين والنازحين في لعبة التنافس السياسي والترويج الإعلامي هو استهانة صريحة بمعاناة الملايين. إن الواجب الأخلاقي والوطني يتطلب من سلطة بورتسودان تركيز جهودها أولاً على وقف التدهور الاقتصادي، ووقف النزيف العسكري، وتوفير مقومات الحياة، بدلاً من إلقاء المواطنين في مدنٍ تحولت إلى هيكل بلا روح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.