مستشفيات بلا دواء ولا أطباء: عودة اللاجئين إلى الخرطوم تصطدم بانهيار المنظومة الصحية
تقرير: عين الحقيقة
تواجه العائلات العائدة إلى ولاية الخرطوم واقعاً صحياً مأساوياً يهدد بكارثة إنسانية جديدة، في ظل تداعيات الحرب المستمرة وانهيار الخدمات الأساسية. ومع تصاعد دعوات “العودة الدائمة” التي تروج لها حكومة بورتسودان، تصطدم الأسر الواقعة تحت طائلة هذه الدعوات بشلل تام في المرفق الصحي المحلي، وانقطاع الإمدادات الدوائية الكفيلة بإنقاذ الحياة، وغياب الأطقم الطبية، مما جعل الحصول على أبسط خدمات العلاج أمراً شبه مستحيل.
ويتزامن هذا التردي الحاد مع الارتفاع المجهد في أسعار العلاج والدواء، ورفع الدولة يدها عن دعم القطاع الصحي، مما وضع العائدين بين نارين: كلفة النزوح واللجوء الباهظة من جهة، ومخاطر تفشي الأمراض وغياب الرعاية في العاصمة من جهة أخرى.
بيئة صحية طاردة
تظهر جولات المتابعة التي أجرتها منصة عين الحقيقة في عدد من أسطح وأحياء الخرطوم أن الغالبية العظمى من المستشفيات والمراكز الصحية ما زالت خارج الخدمة بشكل كامل، نتيجة للدمار الذي طال بنيتها التحتية وتوقف الإمداد الكهربائي والمائي. أما المرفق المتبقية فتفتقر إلى المستلزمات الطبية الأولية والمحاليل الوريدية، بالإضافة إلى النقص الحاد في أدوية الأمراض المزمنة وأمراض الأطفال، مما اضطر المرضى لشراء المستلزمات من أسواق سوداء بأسعار فلكية.
في تصريح خاص لمنصة عين الحقيقة، أوضح الخبير في إدارة الأزمات الإنسانية والتنمية، الدكتور محمد مصطفى: “إن الدعوة إلى إعادة المواطنين واللاجئين إلى ولاية الخرطوم دون وجود خطة إسعافية متكاملة لترميم المنظومة الصحية هي مجازفة غير محسوبة بأرواح الآلاف. فالمنظومة الحالية في العاصمة تعرضت لتدمير شبه كامل، ومع انعدام السيولة وتوقف رواتب الكوادر الطبية لأشهر طويلة، أصبحت المستشفيات مراكز طاردة لا تقدم سوى الأسرة الخاوية.”
من جانبه، أكد المحلل السياسي والمتابع للشأن الاجتماعي، الأستاذ هشام عبد الله، في تصريح لـ عين الحقيقة: “تصر حكومة بورتسودان على استخدام ملف ‘عودة المواطنين’ كواجهة إعلامية لإثبات وجود الدولة وتثبيت الشرعية، دون أن توفر الحد الأدنى من شروط الاستقرار المعيشي والصحي. إن تحميل المواطنين العائدين كلفة العلاج والبحث عن الدواء بأسعار خيالية تعكس صراحة تملص السلطة من مسؤولياتها الأخلاقية والدستورية، وتحويل أزمة النزوح إلى أزمة بقاء ومواجهة مباشرة مع الموت المتربص بالأمراض.”
مطالبات بمخاطبة أصل الأزمة
ويرى متابعون صحيون أن التعافي الصحي في الخرطوم لن يتأتى عبر الوعود الحكومية المتكررة أو الحملات الإعلامية الشكليّة، بل يقتضي خطوات عملية تبدأ بوقف إطلاق النار الشامل، وتوفير الممرات الإنسانية، وتأمين تدفق الدواء والميزانيات التشغيلية للمستشفيات، بدلاً من الدفع بالمواطنين واللاجئين نحو أحياء تفتقر لشربة ماء وجرعة دواء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.