من أكثر الجوانب إيلاماً في تجربة بعض العائدين أن سنوات اللجوء استنزفت مدخراتهم قبل أن يتمكنوا من العودة. فقد أنفقت أسر أموالها على الإيجارات والغذاء والعلاج والتعليم في بلدان اللجوء، ثم تحملت تكاليف السفر والعودة وإصلاح المنازل وشراء الأثاث والاحتياجات الضرورية. وبعد استقرارها في الخرطوم، ولو بصورة مؤقتة، تجد نفسها أمام مصروفات جديدة لا تقل قسوة عن تلك التي واجهتها في الخارج. أما العودة إلى بلد اللجوء، فقد لا تكون خياراً متاحاً بعد نفاد المدخرات، وارتفاع تكاليف السفر والسكن، وصعوبة استعادة فرص العمل أو الإقامة السابقة.
وبذلك، تصبح بعض الأسر عالقة بين خيارين صعبين: البقاء في مدينة لا تزال الخدمات فيها متضررة، أو مغادرتها من دون امتلاك الموارد اللازمة لبدء حياة جديدة في مكان آخر. وهنا تبرز الحاجة إلى برامج دعم مخصصة للعائدين، تشمل المساعدات النقدية، وإصلاح المساكن، وتوفير الخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل، ودعم المشروعات الصغيرة، حتى لا تتحول العودة إلى دورة جديدة من النزوح والفقر.
العودة تحتاج إلى خدمات وحماية
ويمكن تلخيص أبرز التحديات التي تواجه العائدين في أربعة محاور: الخدمات الأساسية: استعادة إمدادات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وإعادة تشغيل المؤسسات الصحية والتعليمية. الاستقرار الاقتصادي: توفير فرص عمل ومصادر دخل تساعد الأسر على تغطية احتياجاتها من دون الاعتماد الدائم على المساعدات. إعادة تأهيل المساكن: مساعدة الأسر التي عادت إلى منازل متضررة أو تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السكن. الحماية الإنسانية: ضمان الوصول إلى الخدمات والمساعدات للفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى. وتشير هذه الأولويات إلى أن نجاح العودة يتطلب تنسيقاً بين السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة والمجتمعات المحلية، مع إشراك العائدين أنفسهم في تحديد احتياجاتهم.
حيث يرى مراقبون للشأن الإنساني أن التحدي الأكبر في الخرطوم لم يعد مقتصراً على تشجيع السكان على العودة، بل يتمثل في توفير الظروف التي تسمح لهم بالبقاء بأمان وكرامة. ويشير هذا التقدير إلى أن إعادة الأسر إلى مناطقها من دون استعادة الخدمات الأساسية وفتح المدارس والمراكز الصحية وتوفير مصادر الدخل قد تؤدي إلى تعميق هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكد هذا المنظور أن العودة المستدامة لا تُقاس بعدد العائدين، بل بقدرة هؤلاء على العيش من دون خوف من المرض أو الجوع أو فقدان المأوى، ومن دون الاضطرار إلى النزوح مرة أخرى بسبب غياب الخدمات.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.