في ظل استمرار الحرب السودانية وتآكل مؤسسات الدولة، تتصاعد المخاوف من استغلال الحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق حالة الاضطراب الأمني والسياسي لإعادة بناء نفوذها، مستفيدةً من تعقيدات الصراع المحلي والتجاذبات الإقليمية. وبينما تتجه الأنظار إلى المواجهات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، تبرز تساؤلات بشأن مستقبل نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة، وإمكانية توظيف الحرب لإعادة إنتاج منظومة التمكين التي أطاحت بها ثورة ديسمبر 2018.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً يتجاوز حدود المعركة العسكرية: هل تحولت الحرب إلى فرصة لشبكات النظام السابق لاستعادة مواقعها في السلطة، بعد أن فقدت جزءاً كبيراً من نفوذها بسقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019؟
وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحركة الإسلامية لم تفقد جميع امتداداتها التنظيمية والإدارية بعد سقوط النظام، وأن شبكاتها السابقة ظلت حاضرة بدرجات متفاوتة داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والإدارة العامة. ويرى أصحاب هذه التقديرات أن اندلاع الحرب أتاح بيئة مناسبة لإعادة تنشيط بعض هذه الشبكات، مستفيدةً من التعبئة العسكرية، وتراجع الرقابة المدنية، وتزايد الاعتماد على التشكيلات المسلحة والمجموعات المساندة للجيش.
شبكات النظام السابق..
لم يكن سقوط نظام البشير في 2019 يعني بالضرورة تفكيك جميع الشبكات التي تشكلت خلال ثلاثة عقود من الحكم. فقد تركت سنوات التمكين السياسي والإداري والاقتصادي امتدادات داخل مؤسسات الدولة، فيما واجهت محاولات تفكيك نفوذ النظام السابق تحديات متعلقة بالتعقيدات القانونية والإدارية، وتداخل المصالح، والصراع على السلطة. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل السودان مرحلة استثنائية تراجعت خلالها الرقابة المدنية، وتوسعت التعبئة العسكرية، وأصبحت الأولوية لدى الأطراف المتحاربة لتأمين مواقعها وحشد الموارد البشرية والمالية.
وفي هذه البيئة، يرى مراقبون أن شبكات الحركة الإسلامية وجدت فرصة لإعادة تقديم نفسها بوصفها جزءاً من معركة الدفاع عن الدولة، مستفيدةً من الخطاب التعبوي المرتبط بالحرب، ومن الحاجة إلى حشد المقاتلين وتوفير الدعم اللوجستي والسياسي للقوات المقاتلة.
وتكمن خطورة هذا المسار، وفق هذه التقديرات، في احتمال تحول المشاركة في المجهود الحربي إلى مدخل لاستعادة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، بما يتيح لشبكات النظام السابق إعادة بناء مواقعها السياسية والإدارية، حتى من دون العودة المباشرة إلى نموذج الحكم الذي سقط في 2019.
اختراق المؤسسة العسكرية..
يمثل موقع الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية أحد أكثر الملفات إثارةً للجدل في المشهد السوداني. وتستند المخاوف من تمدد نفوذهم إلى تاريخ العلاقة بين نظام الإنقاذ والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وإلى الاتهامات المتكررة بوجود عناصر وشبكات موالية للنظام السابق داخل هذه المؤسسات. ويرى منتقدو الحركة الإسلامية أن توسيع الاعتماد على المجموعات المسلحة والمتطوعين والتشكيلات ذات الخلفيات الأيديولوجية خلال الحرب قد يتيح لهذه الشبكات فرصاً إضافية للتأثير في القرار العسكري والسياسي.
وتتجاوز المخاوف هنا مسألة مشاركة أفراد أو مجموعات في القتال؛ إذ تتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات السياسية، واحتمالات توظيف التعبئة العسكرية لبناء نفوذ سياسي طويل الأمد.
فإذا تحولت التشكيلات المساندة للجيش إلى قنوات نفوذ مستقلة، أو أصبحت بعض المواقع العسكرية والإدارية مرتبطة بولاءات تنظيمية، فإن ذلك قد يعرقل بناء مؤسسة عسكرية مهنية خاضعة لسلطة مدنية، ويعيد إنتاج إحدى المشكلات البنيوية التي ظلت تعاني منها الدولة السودانية لعقود.
تحالفات براغماتية..
من السمات التي يلفت إليها منتقدو الحركة الإسلامية السودانية قدرتها على بناء تحالفات سياسية وعسكرية متغيرة، وفقاً لمقتضيات الصراع وموازين القوى. ويذهب أصحاب هذا التقييم إلى أن التنظيم قد يقبل التعاون مع أطراف تختلف معه أيديولوجياً، متى كانت المصالح المرحلية تتيح تحقيق أهداف مشتركة، مثل إضعاف الخصوم السياسيين أو منع قيام سلطة مدنية مستقلة أو الحفاظ على مواقع النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
ويستند هذا التحليل إلى أن التحالفات في أوقات الحرب لا تتشكل بالضرورة على أساس التطابق الفكري، بل قد تقوم على حسابات تكتيكية تتعلق بالبقاء السياسي والسيطرة على الموارد وموازين القوة. وفي الحالة السودانية، تثير هذه الديناميات تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين شبكات الإسلاميين والتشكيلات المسلحة المختلفة، وحدود التعاون بينها، وما إذا كانت المصالح العسكرية الآنية يمكن أن تتحول إلى ترتيبات سياسية أكثر استدامة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.