دوران في حلقة مفرغة.. تطالعنا الأخبار بين الحين والآخر بعناوين براقة تتحدث عن “تحركات حكومية جديدة”، و”خطط إسعافية”، و”لجان طوارئ” تهدف جميعها إلى تأمين إمدادات الوقود ومنع الاختناقات الصفوف التي أضحت معلماً ثابتاً للحياة في السودان. ينظر المواطن المغلوب على أمره إلى هذه الأخبار بعين الأمل المتشبثة بأي قشة، لكن عين الحقيقة والواقع تؤكد أن هذه التحركات، مهما صفت النوايا خلفها أو رُصدت لها الميزانيات، محكوم عليها بالفشل الذريع ومصيرها أن تكون مجرد مسكنات مؤقتة لا تلبث أن تزول، لسبب واحد وجوهري لا يقبل القسمة على اثنين: استمرار الحرب.
إن محاولة حل أزمة الوقود — أو أي أزمة اقتصادية وخدمية أخرى في السودان اليوم — بمعزل عن السياق الأمني والعسكري الكارثي، هي نوع من الهروب إلى الأمام واستغباء للعقول. فالحرب ليست مجرد اشتباكات مسلحة في جبهات بعيدة، بل هي المعول الذي يضرب يومياً البنية التحتية، ويقطع شرايين الإمداد، ويستنزف الموارد الشحيحة.
وتتجلى حتمية فشل هذه التحركات الحكومية في ظل الحرب من خلال عدة حقائق ساطعة لا يمكن القفز فوقها: انهيار المنظومة اللوجستية وتأمين المسارات: كيف يمكن لأي خطة ترحيل وقود أن تنجح والممرات البرية بين الموانئ والمصفاة ومحطات التوزيع تقع تحت رحمة الاشتباكات، أو القصف الجوي، أو سيطرة المليشيات والعصابات؟ إن تأمين شاحنة وقود واحدة في ظل هذا الانفلات الأمني يتطلب كلفة عسكرية وبشرية باهظة، تجعل من استدامة الإمداد أمراً مستحيلاً.
تدمير وشلل البنية التحتية النفطية: لم تكن مصفاة الجيلي، ومستودعات التخزين الرئيسية، ومناطق الإنتاج بمعزل عن الاستهداف العسكري المباشر والتخريب. إن إعادة تشغيل وتأهيل هذه المنشآت الحيوية تتطلب تكنولوجيا، وخبرات، ورؤوس أموال لن تتوفر أبداً في بيئة يتهددها القصف والدمار كل لحظة.
الانهيار المريع للعملة الوطنية والشح المالي: تعتمد عمليات استيراد الوقود بشكل شبه كامل على النقد الأجنبي. وفي ظل توقف الصادرات، وانهيار الإنتاج المحلي، والنزيف اليومي للعملة الوطنية أمام الدولار، تقف الحكومة عاجزة عن سداد فاتورة الاستيراد المتصاعدة، مما يؤدي حتماً إلى شح المعروض وتضاعف الأسعار.
غياب الدولة والرقابة وسيادة اقتصاد الحرب: أدت الحرب إلى غياب شبه تام لهيبة الدولة ومؤسساتها الرقابية في مناطق واسعة. وقد خلق هذا الفراغ بيئة مثالية لازدهار “اقتصاد الحرب”، حيث تسيطر شبكات المصالح الفاسدة والمليشيات على توزيع الوقود، وتهريبه، وبيعه بأسعار فلكية في السوق السوداء، مستغلة حاجة المواطن الماسة.
إن أي حديث حكومي عن “حلول” لأزمة الوقود في ظل استمرار القصف والدمار مجرد استهلاك إعلامي وذر للرماد في العيون. إن الحقيقة العارية التي يجب أن يواجهها الجميع هي أن جذر الأزمة سياسي وعسكري، ولا يمكن حله بأدوات اقتصادية أو إدارية ترقيعية.
إن الطريق الوحيد لإنهاء معاناة السودانيين مع صفوف الوقود، والغلاء، والجوع، والمرض يبدأ بقرار واحد وشجاع: إيقاف هذه الحرب اللعينة فوراً وبلا شروط. وبدون ذلك، ستظل الحكومة تدور في حلقة مفرغة من الوعود الفاشلة، وسيظل المواطن يدفع الثمن من أمنه، وكرامته، وحياته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.