حسين الحفيان وكامل إدريس… وجهان لأزمة واحدة

 علاء خيراوي

 

■ الحسين الخليفة الصديق الحفيان؛ ظل لعقود بعيداً عن واجهة السياسة والدولة والإدارة في السودان، قبل أن يعود في زمن الحرب ليصبح واحداً من أثقل الأسماء نفوذاً داخل حكومة كامل إدريس. وأنا لا أكتب عنه من معرفة صحفية بعيدة؛ فقد كان زميل دراسة وصديقاً ضمن دائرة صغيرة في جامعة الخرطوم عرف بعضها بعضاً عن قرب. ولم أعرف حسين خلال تلك السنوات ناشطاً سياسياً، أو من القيادات الطلابية، أو مشاركاً بصورة لافتة في ذلك المختبر السياسي والفكري والثقافي الذي صنعت فيه الجامعة جانباً مهماً من نخب السودان؛ كما أن تجربته الإدارية داخل المؤسسات العامة للدولة السودانية قبل مغادرته البلاد كانت محدودة. وهو كذلك خال عبد الفتاح البرهان؛ الأخ غير الشقيق لوالدته، أي أن صلته برأس السلطة ليست قرابة بعيدة أو هامشية. ثم عاد الحفيان لا مستشاراً عابراً، وإنما إلى قلب الدولة؛ حتى وصفته الجزيرة نت منذ يونيو ٢٠٢٥ بأنه “الرجل الثاني وربما الأول الذي يقف خلف كامل إدريس”، قبل أن يظهر رسمياً بصفة “الممثل الخاص لرئيس الوزراء”. وهنا تبدأ المفارقة؛ تجربة تنفيذية محدودة داخل مؤسسات الدولة، ثم انتقال سريع إلى واحد من أبرز مراكز القرار المدني في أكثر مراحل السودان تعقيداً وخراباً. ويعيد هذا الصعود إلى الذاكرة نمطاً عرفه السودانيون في سنوات البشير؛ حين تمدد نفوذ بعض أفراد الدائرة الأسرية للرئيس إلى مواقع مؤثرة في الاقتصاد والأعمال والقرار. والفارق أن ذلك النفوذ تشكل تدريجياً داخل نظام حكم امتد ثلاثين عاماً، بينما بدا صعود الحفيان أسرع وأكثر مباشرة. ولا تعني المقارنة تطابق الحالتين، لكنها تعيد السؤال القديم نفسه؛ أين تنتهي القرابة، وأين تبدأ مؤسسة الدولة؟

■ ولأن الحكم على أي تجربة اقتصادية يبدأ من النتائج، فإن الأرقام أكثر بلاغة من التصريحات. يوم أدى كامل إدريس القسم رئيساً للوزراء في ٣١ مايو ٢٠٢٥ كان متوسط الدولار في البنوك التجارية نحو ٢٬١٣٩ جنيهاً للشراء و٢٬١٤٤ للبيع، وفي الصرافات نحو ٢٬٤٠٠ للشراء و٢٬٤٢٠ للبيع، بينما كان في السوق الموازي عند نحو ٢٬٧٤٠ جنيهاً. وبعد نحو خمسة عشر شهراً تجاوز الدولار في السوق الموازي ٧٬٣٠٠ جنيه ثم لامس في ذروة اضطراب سبتمبر ٢٠٢٦ نحو ٩ آلاف جنيه؛ أي أن سعر الدولار ارتفع بنحو ٢٢٨٪ مقارنة بيوم أداء القسم، بينما فقد الجنيه، بالقياس نفسه، نحو ٧٠٪ من قيمته أمام الدولار. وفي الوقت نفسه أظهرت بيانات ميزان المدفوعات لعام ٢٠٢٥ صادرات بنحو ٤٫٣٥٧ مليارات دولار في مقابل واردات بلغت نحو ٩٫٩٨٥ مليارات؛ أي عجزاً تجارياً يقارب ٥٫٦٢٨ مليارات دولار في عام واحد. وهذه ليست أرقاماً في جداول؛ إنها دواء وغذاء ووقود ومدخلات إنتاج أكثر كلفة، ورواتب ومدخرات تتآكل قيمتها يوماً بعد يوم. والمفارقة أن الحكومة لم تكن تدير بلداً معدماً من الموارد. ففي النصف الأول من ٢٠٢٦ بلغت الصادرات الرسمية نحو ١٫٨١٦ مليار دولار؛ منها ١٫١٣٥ مليار دولار من الذهب، أي ٦٢٫٥٪ من إجمالي الصادرات، ونحو ٢٨٧٫٧ مليون دولار من الثروة الحيوانية واللحوم، أي ١٥٫٨٪، بينما شكلت الصادرات الزراعية الرئيسية مجتمعة نحو ٢١٪؛ بينها السمسم بنحو ١٣٠٫١ مليون دولار، وحب البطيخ ٨٢٫٧ مليوناً، والقطن ٥٣٫٧ مليوناً، والصمغ العربي ٣٥٫٥ مليون دولار. ومع ذلك بلغ العجز التجاري في الأشهر الستة نفسها نحو ٢٫٧ مليار دولار، إذ تجاوزت الواردات ٤٫٥ مليارات دولار. نعم، هذه حكومة تدير اقتصاد حرب؛ والحرب دمرت المصانع والبنية التحتية، وأضعفت المصارف، ووسعت التهريب والسوق الموازي، ولا يجوز التعامل مع كامل إدريس أو الحفيان وكأنهما ورثا اقتصاداً سليماً. لكن الحرب ليست صك إعفاء؛ فاختبار الإدارة في زمن الحرب هو حسن توظيف ما تبقى من الموارد، وضبط الذهب وحصائل الصادر، وتوجيه النقد الأجنبي إلى الأولويات، وحماية العملة قدر المستطاع. ولذلك لا يتعلق السؤال بمن صنع أصل الكارثة، وإنما بكيفية إدارة ما بقي من موارد وأدوات في يد الدولة. (المرجع؛ بنك السودان المركزي؛ العرض الاقتصادي والمالي ونشرة التجارة الخارجية، يناير–يونيو ٢٠٢٦)

■ وهنا يصبح موقع حسين الحفيان مهماً؛ لأن علاقته بالاقتصاد ليست مجرد استنتاج من قربه من كامل إدريس. اسمه يظهر في الاجتماعات التي تناقش النقد الأجنبي والذهب والزراعة والتمويل والاستثمار والإنتاج، وإلى جوار وزراء المالية والزراعة والثروة الحيوانية ومحافظ بنك السودان. وفي نهاية يونيو ٢٠٢٦، وخلال اجتماع ناقش سعر الصرف والسوق الموازية وتهريب الذهب، أعلنت محافظ البنك المركزي ضخ ٤٠٠ مليون درهم إماراتي في الجهاز المصرفي لتمويل الاستيراد وتهدئة سوق العملات، وكان الدولار وقتها عند نحو ٥٬١٠٠ جنيه في السوق الموازي؛ لكنه واصل الصعود بعد ذلك. ثم توالت اجتماعات اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد، وأقرت الحكومة نفسها بوجود “تآكل في سعر صرف العملة الوطنية” وأنشأت خلية خاصة لمعالجة الأزمة. وظهر جانب آخر من الجدل حول نفوذ الحفيان عندما كُلّف شقيقه عبد الرحيم الصديق وكيلاً لوزارة الشباب والرياضة قبل إلغاء القرار بعد أيام. ولذلك يصعب اختزال الحفيان في موظف بروتوكولي يحمل لقب “الممثل الخاص”؛ فالسؤال الذي يخصه ليس أين عمل ولا أين اكتسب خبرته، وإنما ماذا كانت حصيلة النفوذ الذي أصبح يمارسه داخل مركز القرار؛ فكلما اتسعت دائرة التأثير اتسعت معها دائرة المسؤولية. (المراجع؛ Sudan Tribune، ١ يوليو ٢٠٢٦؛ حكومة السودان، اجتماعات اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد أغسطس–سبتمبر ٢٠٢٦؛ السودان الآن، ٢٩ يونيو ٢٠٢٦).

■ وتقدم أزمة السيولة نموذجاً إضافياً لطريقة إدارة الاقتصاد ولتداخل مستويات المسؤولية. فالحرب أصابت الجهاز المصرفي في الصميم؛ دمرت فروعاً وأضعفت شبكات الدفع ووسعت التعامل خارج الجهاز الرسمي. لكن سياسات استبدال وسحب فئات من العملة، والدفع نحو الإيداع والتعامل الإلكتروني، وقيود السحب، جرت في اقتصاد لم تكن فيه البنوك والتطبيقات والنقد البديل مهيأة بالقدر الكافي، فتحولت هشاشة الحرب إلى اختناق يومي؛ مواطن يملك رصيداً ولا يستطيع الوصول إليه بسهولة نقداً، وتاجر يعمل في سوق ما زال يعتمد على الكاش، وشبكات إلكترونية يُطلب من الناس الاعتماد عليها بينما تتعرض للأعطال. وهنا يجب الفصل بوضوح بين المسؤوليات؛ البرهان يتحمل المسؤولية السياسية العليا باعتباره رأس البنية الحاكمة التي عيّنت هذه الحكومة وتعمل تحت سقفها؛ وكامل إدريس يتحمل المسؤولية التنفيذية العامة كرئيس للجهاز الحكومي؛ ووزير المالية مسؤول مباشرة عن السياسة المالية والإيرادات والإنفاق والتمويل، بينما تقع السياسة النقدية والسيولة وسعر الصرف مباشرة في نطاق مسؤولية محافظ بنك السودان؛ أما حسين الحفيان فتنبع مسؤوليته من حجم النفوذ العملي الذي يمارسه في الدائرة التي تتقاطع فيها هذه الملفات والقرارات. وهكذا فالحرب تفسر جانباً كبيراً من الهشاشة، لكنها لا تعفي من مسؤولية الاختيارات التي اتخذت داخل تلك الهشاشة.

■ أما كامل إدريس فقد كشفت الأشهر الأخيرة عن أزمة مختلفة؛ أزمة القيادة السياسية نفسها. ففي ملف العاملين بالدولة جاء النفي في وقت كانت فيه أجهزة حكومية تناقش الحصر وإعادة الهيكلة والمعاش المبكر، فبدت الحكومة وكأن رأسها لا يتحدث اللغة نفسها التي تتحدث بها مؤسساتها. ثم جاء ملف الوقود؛ ففي ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ أعلن مجلس الوزراء الاطمئنان إلى موقف المشتقات البترولية، وبعد يومين فقط كانت التقارير الميدانية تتحدث عن صفوف ونقص في بورتسودان وكسلا وأزمة محروقات قاسية في ود مدني. وهذه الوقائع لا تكشف مجرد ضعف في العلاقات العامة؛ بل تكشف، في تقديري، افتقاراً إلى الحس السياسي، وثبات الانفعال، والقدرة على قراءة الواقع قبل الكلام، والقيادة التي تجعل موقف رئيس الوزراء يصمد أمام اختبار الشارع. ولذلك أصبح كامل إدريس، مع مرور الوقت، أقرب إلى حامل الصفة الدستورية منه إلى المركز الوحيد الذي تُصنع عنده خيارات الحكومة.

■ ولهذا، وعند البحث عن مركز المسؤولية المدنية الفعلية داخل هذه الحكومة، أضع حسين الحفيان في مقدمتها قبل كامل إدريس نفسه. فقد أصبح اسمه الأكثر تداولاً كلما دار الحديث عن مركز القرار الاقتصادي والتعيينات العليا، حتى شاع عنه وصف “خال البرهان” أو “الخال الرئاسي”؛ في استدعاء سوداني لتجربة الراحل الصحفي الطيب مصطفى، خال عمر البشير. غير أن حالة الحفيان اليوم أكثر اتصالاً بالمطبخ التنفيذي والاقتصادي؛ فالمعلومات المتداولة في دوائر الحكم تتحدث عن نفوذ يفوق نفوذ كامل إدريس في بعض الملفات، وعن أن ترشيح كامل نفسه جاء بدفع منه، ثم امتد تأثيره إلى تشكيل الحكومة واختيار عدد من الوزراء وقيادات الدولة العليا، ولا سيما في المؤسسات الاقتصادية والمالية. وهذه الروايات تكتسب أهميتها عندما توضع بجوار حضوره الموثق في ملفات النقد الأجنبي والذهب والزراعة والتمويل والاستثمار. وهذا لا يعفي وزير المالية، بوصفه المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة المالية، ولا محافظ بنك السودان، المسؤول عن السياسة النقدية والسيولة وسعر الصرف؛ لكن ما يجعل حسين الحفيان حالة مختلفة هو أن نفوذه، بحسب ما يتردد في دوائر القرار وما يظهر من حضوره في الملفات الكبرى، لا يقف عند حدود وزارة أو مؤسسة واحدة، بل يمتد إلى الأشخاص والسياسات والاتجاهات التي تعمل من خلالها هذه المؤسسات. ولذلك فإن الحديث عن مركز القرار الاقتصادي لا يعني إلغاء مسؤولية الوزير أو المحافظ، بل البحث عمّن يؤثر في الإطار الكُلّي الذي يتحركان داخله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.