هندسة التجويع وصناعة «المنقذ»: هل يعود الإسلاميون عبر بوابة الانهيار؟

بقلم: حمدان فنيرة

قد يبدو الحديث عن عودة حزب المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية («الكيزان») إلى سدة الحكم في السودان مجرد وهم أو ضرباً من الخيال السياسي، لكن قراءة المشهد بعين فاحصة تعيدنا إلى سيناريو مكرر: حتى وإن لم يعد البشير بشخصه بسبب تقدمه في العمر، فإن البديل من ذات المنظومة بات يُهيأ ليُفرض من جديد، بل وربما في مناخ يُظهر الأمر وكأنه يأتي بـ«قبول واضطرار شعبي».

ولفهم ما يجري اليوم، يتعين علينا العودة بالذاكرة إلى الوراء؛ إلى سنوات الديمقراطية الثالثة، قبل انقلاب 30 يونيو 1989. في تلك الفترة، كانت حكومة السيد الصادق المهدي تواجه أزمات متلاحقة: حرباً أهلية، واختناقاً اقتصادياً حاداً، وشحاً في السلع الاستهلاكية، وغلاءً طاحناً، وتدهوراً أمنياً متسارعاً. وفي ظل ذلك التراجع، نشط الإسلاميون وطبقتهم التجارية في بناء نفوذ مالي واسع داخل الاقتصاد غير الرسمي والسوق الموازي وتجارة العملة، مستفيدين أيضاً من تسهيلات تراخيص الاستيراد، ما أدى تدريجياً إلى تآكل قدرة الدولة ومؤسساتها النقدية على الرقابة والتحكم.

عندما وصل المواطن حينها إلى حافة الانهيار، تحققت المقولة الشهيرة: «الغرقان يتعلق بقشة». لقد كان المواطن هو الغريق، بينما قدّمت الحركة الإسلامية نفسها على أنها «القشة» التي رُفعت تحت شعار «ثورة الإنقاذ الوطني» في انقلاب 1989. وبدافع الإنهاك واليأس، تقبّل قطاع واسع من الشعب ذلك التغيير، على أمل النجاة من حكومة عاجزة، لتبدأ مرحلة التمكين الشامل، وانتقال الإسلاميين من السيطرة على الأسواق غير الرسمية إلى الاستيلاء الكامل على مفاصل الدولة ومؤسساتها، متدثرين بشعارات براقة من شاكلة «لا لدنيا قد عملنا».

اليوم، وبعد ثورة ديسمبر 2018 وسقوط النظام، نشهد إعادة تدوير لذات السيناريو وبأدوات أشد فتكاً. فمنذ العام 2019، لم تتوقف محاولات خلق الأزمات المعيشية المفتعلة في الخبز والوقود والسلع الأساسية والمواصلات، ونشر الانفلات الأمني لإرهاق الشارع وكسر إرادته. ولما لم تُفلح تلك الضغوط في استعادة السلطة، اشتعلت الحرب التي دمرت البلاد وقضت على مقومات الحياة اليومية، وأسقطت العملة الوطنية إلى درك غير مسبوق، ليعود المواطن مجدداً أسيراً للبحث عن أبسط مقومات البقاء: رغيف الخبز، وجرعة الدواء، والكهرباء.

وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل يمكن أن يمثل الانهيار الاقتصادي الراهن فرصة سياسية لعودة الإسلاميين؟

الجواب بكل وضوح: نعم؛ فالأزمات المعيشية الحادة تصنع بيئة خصبة لخطاب ديماغوجي يروّج لفكرة أن «البلد لن تستقر وتُدار إلا بنا»، مستغلين فقر الناس وجوعهم. ولا يمكن في هذا السياق فصل القيادة الحالية بقيادة البرهان عن هذا المسار؛ فالبرهان لا يعدو كونه واجهة عسكرية جديدة لخدمة ذات المشروع والترتيب لحوارات وتسويات سياسية تفضي إلى عودتهم، تماماً كما كان البشير واجهة عسكرية في يونيو 1989.

أما الوجوه المتحالفة مع هذا المشهد اليوم، من قيادات وحركات مسلحة مثل جبريل ومناوي وغيرهما، فقد أثبتت عجزاً كاملاً عن إدارة الأزمة، واكتفت بالتصريحات الجوفاء والاعتماد على إرهاق جيب المواطن المنهك عبر الضرائب والرسوم، معتبرة إياه المورد المالي الوحيد لتغطية فشلها. ورغم أن أصل الأزمة وصناعتها يرجع إلى مخططات الإسلاميين العميقة، إلا أن ذلك لا يعفي شركاءهم الحاليين من الفشل المشترك؛ فكلاهما في ميزان المسؤولية سواء.

إن الوعي التاريخي هو خط الدفاع الأول، والواجب على الشعب السوداني ألا يُلدغ من الجحر مرتين. إن محاولات ترويض الشارع بالفقر والجوع لدفعه إلى القبول بجلاديه السابقين بحجة «الإنقاذ والاستقرار» يجب أن تُواجَه بكشف جذور الأزمة ومحاسبة صانعيها؛ لأن عجلة التاريخ ستدور، والمصير المحتوم لكل من شارك في تدمير الوطن وتجويع أهله هو مزبلة التاريخ، طال الزمن أم قصر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.