❝أحياناً لا تبدأ صناعة الغد بعد أن تصمت المدافع.. بل تبدأ حين تكون المدافع ما تزال مشتعلة.❞
تقول الحكاية:
في يوليو 1944، كانت الحرب العالمية الثانية لا تزال تأكل الرجال والمدن، وكانت المعارك لم تضع أوزارها بعد .. ومع ذلك، جلست وفود 44 دولة في بريتون وودز بالولايات المتحدة، لا لتبحث فقط كيف ينتصر الحلفاء، وإنما كيف يكون العالم حين تنتهي الحرب..
هناك، وبينما كانت المدافع تتكلم في الجبهات، كانت أقلام أخرى تكتب شكل العالم الذي سيأتي بعدها.. ومن ذلك الاجتماع خرج الإطار الذي قاد إلى إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
الحرب كانت مشتعلة.. لكن الذين يفكرون في الغد لم ينتظروا صمتها.
من بريتون وودز نعود إلى السودان.. ليس لأن الخرطوم هي واشنطن، ولا لأن حربنا تشبه الحرب العالمية الثانية، وإنما لأن السؤال واحد في جوهره:(هل ينتهي دور الخارج عندما تصمت المدافع.. أم أن أخطر أدواره يبدأ بعدها؟).
(1)
الجديد في القصة الأمريكية ليس أن واشنطن تريد وقف حرب السودان؛ فهذا صار معلناً ويعرفه القاصي والداني .. الجديد أن الطريق الذي تطرحه لا ينتهي عند وقف الرصاص.
مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، وضع “خمسة أعمدة للخطة الأمريكية: هدنة إنسانية، حماية المدنيين ووصول المساعدات، وقف دائم لإطلاق النار، انتقال سياسي إلى حكومة مدنية، ثم إعادة إعمار ما بعد الحرب”.
تأملوا الترتيب..
هدنة.. ثم وقف دائم.. ثم سلطة.. ثم دولة تُعاد إليها الحياة.
هنا يتغير السؤال..
واشنطن لا تتحدث فقط عن كيف تنتهي الحرب.. بل تضع، في حديثها المعلن، تصوراً لما ينبغي أن يأتي بعد أن تنتهي الحرب.
والفرق بين السؤالين كبير.
(2)
ثم جاءت العبارة التي رفعت حرارة المشهد أكثر..
في سبتمبر قال بولس إن واشنطن لا ترى مستقبلاً سياسياً للبرهان أو حميدتي، وإن المسار الذي تدفع نحوه الولايات المتحدة هو انتقال مدني.
هنا ينبغي أن نمسك بتلابيب هذا القول..
فالقول إن الرجلين خارج التصور الأمريكي المعلن شيء، والقول إن واشنطن اختارت من سيحكم السودان شيء آخر تماماً..
الأول قيل علناً.. والثاني لا نملك عليه دليلاً.
لكن السؤال لا يموت عند هذه النقطة.
إذا كانت واشنطن تقول من لا تراه في مستقبل الحكم، فالسؤال الطبيعي الذي يليه: (من تراه؟)
وهنا.. لا توجد إجابة أمريكية معلنة..
وهذا تحديداً هو المكان الذي يبدأ فيه السؤال السوداني.
(3)
ثم نصل إلى الغرفة التي لا نملك مفتاحها..
في الخامس من أغسطس عقدت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي إحاطة مغلقة حول حرب السودان، مصنفة TS/SCI، وهي درجة شديدة الحساسية، وقد شارك في تقديمها ستيف غالبرن، القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية لشؤون التحليل في مكتب الاستخبارات والبحوث..
ماذا قيل؟
لا نعرف..
ومن قال ماذا؟
لا نعرف..
وما المعلومات التي كانت على الطاولة؟
أيضا لا نعرف..
لكننا نعرف شيئاً واحداً ومهما:” السودان دخل غرفة الاستخبارات الأمريكية من باب الحرب”.
وربما لا يعني هذا عند البعض أن هناك (طبخة سرية).. لكنه بالضرورة يجعل السؤال مشروعاً: ( ما الذي تحتاج واشنطن إلى معرفته عن السودان بحيث لا يكفيه الحديث أمام الكاميرات؟ ولماذا وضعته في هذه الدرجة من التصنيف).
الحرب في الميدان تُرى..
أما ما يُبحث خلف الأبواب المغلقة، فهناك فقط يمكن أن نعرف كم طبقة تحت سطح الحرب لم نرها بعد.
(4)
وفي الكونغرس، لا يقف الأمر عند الإحاطات المغلقة..
هناك أيضاً قانون PEACE in Sudan Act، وهو مشروع ثنائي الحزب يتعامل مع الحرب من خارج حدود الخندق العسكري: الحكومات والجماعات الأجنبية التي تدعم أطراف الصراع، الفظائع، الأصول المرتبطة بأطراف الحرب، العقوبات، ودور المبعوث الأمريكي، إلى جانب ملفات المساعدات والمؤسسات المالية الدولية.
لاحظوا الأسئلة..
من يمول؟
من يسلح؟
من يملك المال؟
أين تذهب الأموال؟
ومن يستطيع أن يشعل الحرب مرة أخرى إذا أُطفئت اليوم؟
هكذا تصبح الحرب أكبر من دبابة في شارع، أو طائرة في سماء، أو بندقية في يد مقاتل.
تصبح شبكة..
والشبكة لا تُقطع من طرف واحد.
(5)
وفي سبتمبر، قال بولس إن واشنطن تعمل مع دول الرباعية، ومع قطر وتركيا وأوروبا، وتدفع باتجاه توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، مع التركيز على شبكات التسليح والذهب والأسلحة الكيميائية، مع تأكيد رفض تقسيم السودان والحفاظ على وحدته، والتحذير من تكرار السيناريو الليبي.
وفي الضفة البريطانية، وضع وزير الخارجية إد ميليباند ثلاثة مسارات متلازمة: “الدبلوماسية وصولاً إلى وقف النار والانتقال المدني، والعمل الإنساني، وحماية المدنيين والمساءلة”.
مرة أخرى..
النار ليست وحدها على الطاولة.
هناك من يطعمها..
ومن يمولها..
ومن يسلحها..
ومن يستطيع إيقافها..
ثم هناك السؤال الأصعب:
(ماذا يحدث للدولة بعد أن تتوقف الحرب؟)..
وهنا بالضبط تبدأ الحكاية في الاقتراب من عنوانها.
(6)
(ماذا أعدت واشنطن لليوم التالي؟) ..
لا توجد أمامنا ورقة تقول إن حكومة سودانية بعينها اختيرت في غرفة مغلقة..
ولا نملك دليلاً على أن واشنطن جلست، وحدها، وطبخت للسودانيين حكومة جاهزة.
لكن لدينا مكونات الطبخة معلنة..
انتقال مدني.
استبعاد الرجلين العسكريين وفق تصريح بولس.
سودان موحد.
ضغط على الداعمين الخارجيين.
عقوبات وأدوات مالية.
ملاحقة شبكات الحرب.
ثم إعادة إعمار.
وهنا يصبح السؤال أكبر من وقف إطلاق النار..
فوقف الحرب لا يجيب وحده عن سؤال السلطة..
ولا عن شكل الدولة..
ولا عن من يمثل السودانيين..
ولا عن الجيش..
ولا عن السلاح..
ولا عن الاقتصاد الذي سيحمل دولة خرجت من واحدة من أعنف حروبها.
إسكات المدافع شيء.. وبناء السودان الذي يلي إسكاتها شيء آخر.
(7)
وهنا تعود الحكاية إلى السودان..
إذا كانت واشنطن قد مدت خيطها من الهدنة إلى وقف النار، ومن وقف النار إلى السلاح والتمويل والداعمين، ومن هناك إلى الانتقال المدني ثم إعادة الإعمار، فربما لا يكون السؤال الأهم:
(هل تستطيع واشنطن إنهاء الحرب؟) ..
السؤال الأعمق هو:
(كيف تتصور السودان الذي سيخرج من الحرب؟)..
ثم يأتي السؤال الذي ينبغي أن يوقظ الخرطوم كلها:
(هل سيكون السودانيون هم من يكتبون الصفحة التالية من تاريخ بلدهم؟)..
أم أن كثرة الأيدي التي دخلت المطبخ ستجعل لكل يد وصفة، ولكل وصفة صاحباً، ولكل صاحب نصيباً من المائدة؟..
لا نعرف ماذا دار في الغرف المغلقة في واشنطن..
ولا نملك ورقة سرية تقول إن (طبخة السودان) قد استوت..
لكننا نملك ما يكفي لنسأل.
(لماذا تُجمع المعلومات الاستخباراتية؟)..
(لماذا تُلاحق شبكات السلاح والذهب والتمويل؟)..
(لماذا تُرسم خريطة للداعمين؟)..
(لماذا يُطرح الانتقال المدني بوصفه جزءاً من الخطة؟)..
(ولماذا يأتي إعادة الإعمار في نهاية السلسلة؟)..
قد يكون كل ذلك الطريق الطبيعي لإنهاء الحرب..
وقد يكون في الوقت نفسه إعداداً لليوم الذي يليها.
لكن شيئاً واحداً لا ينبغي أن يسقط من الحساب: (السودان ليس مائدة بلا أصحاب).. ومن حق السودانيين أن يسألوا، قبل أن تُرفع الأطباق:
(من يطبخ؟)..
(ومن يحدد المكونات؟)..
(ومن يجلس إلى المائدة؟).
ومضة..
في 9 أكتوبر 1944، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة، جلس ونستون تشرشل مع جوزيف ستالين في موسكو.
لم يكن حديث الرجلين كله عن المعركة الجارية..
فقد انتقلا إلى البلقان، وأخرج تشرشل ورقة، وكتب عليها نسباً مقترحة للنفوذ البريطاني والسوفياتي في عدد من دول المنطقة، ثم دفعها إلى ستالين.. فوضع عليها الأخير علامة بقلم أزرق.
لم تكن تلك الورقة معاهدة ترسم الحدود، ولا وثيقة نهائية تقرر مصير الشعوب.. لكن قيمتها التاريخية بقيت في شيء آخر:
“أن رجلين كانا يتحدثان عن عالم ما بعد الحرب.. بينما الحرب نفسها لم تكن قد انتهت”.
المعركة في الجبهات..
والورقة على الطاولة.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا تفوت السودان .. قد تكون الحرب ما تزال مشتعلة.. لكن أوراق ما بعدها قد تكون بدأت تُكتب.
توقيع أفق الحرف:
أفق يترفق باتساعه ليقول:
إن أخطر سؤال بعد الحرب ليس فقط: (من انتصر؟)..بل: (من يملك حق ترتيب ما بعد الانتصار؟).
إنا لله ياخ..
الله غالب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.