اجتماع العلمين: ثلاثي الدعم العسكري غير مؤتمن على رسم مستقبل السودان

 سيف الدولة كمال

 

تتحرك الدبلوماسية الإقليمية بين الحين والآخر في مسارح استعراضية تتطاير منها التصريحات الناعمة عن “حرص الجوار” و”إنقاذ السودان”، وكان أحدث هذه المشاهد السريالية اجتماع مدينة العلمين المصرية الذي ضم القاهرة وأسمرة ومقديشو. يخرج علينا هذا الثلاثي متدثراً برداء الحادبين على المصلحة السودانية، والباحثين عن صيغ لإحلال السلام، وكأن الذاكرة الجمعية للشعب السوداني قد أُصيبت بالعمى أو مسحها ركام الحرب!

إن الحقيقة العارية التي يجب أن تُقال بلا مواربة ولا دبلماسية ناعمة هي أن مصر وإريتريا والصومال هي أطراف غير مؤتمنة إطلاقاً على المستقبل السياسي لبلادنا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُقبل كراعٍ أو وسيط نَزِيه لأي عملية سياسية أو مسارٍ يتطلع لنزع فتيل الحرب واستعادة التحول المدني الديمقراطي.

إن القراءة الفاحصة لأدوار هذه الدول ومواقفها الشاخصة منذ اندلاع المحرقة السودانية تُكشف صراحةً سبب هذا الفقدان الكامل للثقة: الانحياز الفاضح والإغراق في دعم الخيار العسكري: لا يخفى على طفل سوداني أن هذه الدول اختارت الانحياز الصريح والكامل للجنرالات وللسلطة العسكرية في بورتسودان، ووفرت لها الغطاء السياسي، والدعم اللوجستي، والملاذات الدبلوماسية. إن طرفاً يغذي آلة الحرب بالدعم والتأييد لا يستقيم أخلاقياً ولا سياسياً أن يرتدي فجأة قبعة “المصلح الحيادي”.

الارتهان لأجندات الأمن القومي الذاتي على حساب الإنسان السوداني: تحرك هذه الدول محرّكات الأنانية السياسية والمصالح الجيوسياسية الخاصة بها فقط — من ملفات مياه النيل والصراع الصومالي-الإثيوبي إلى ترتيبات البحر الأحمر. إن السودان بالنسبة لهذا المحور ليس سوى حديقة خلفية وورقة ضغط يُراد إبقاؤها تحت سيطرة “نظام عسكري طيّع” يخدم أجنداتهم، بغض النظر عن كلفة الدم والنزوح المترتبة على ذلك.

إعادة إنتاج دولة العسكر وتمرير أجندة الإخوان: إن الخطوات التي ترعاها هذه العواصم تصب مباشرة في اتجاه واحد: شرعنة أمر واقع سلطة بورتسودان، فتح المساحات لعودة فلول نظام الإخوان المسلمين لتصدر المشهد تحت غطاء البزة العسكرية، ووأد تطلعات ديسمبر المجيدة في تأسيس دولة مدنية حديثة تقف على مسافة واحدة من الجميع.

الالتفاف على المبادرات الدولية والإقليمية الجادة: إن المهرجانات والتكتلات الجانبية كاجتماع العلمين لا تعدو كونها مناورات لتعطيل وإعاقة أي جهود دولية أو إفريقية حقيقية تسعى لإيقاف شامل للحرب وفرض حماية للمدنيين، محاولةً بذلك إبقاء الملف السوداني تحت الهيمنة الإقليمية المباشرة المنحازة.

إن مستقبل السودان السياسي والسيادي هو ملك حصري للسودانيين والسودانيات، وللقوى المدنية والديمقراطية الصامدة في وجه آلة الدمار. لن نسمح للذين يمدون الحرب بسباب الحياة أن يرسموا خارطة خروجنا منها.

إن السلام الحقيقي لن يخرج من صالونات العلمين ولا من توافقات الأنظمة الشمولية المنحازة، بل يبدأ بإنهاء الدعم الخارجي للجيش والمليشيات، والإيقاف الفوري للحرب، وفرض إرادة الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة بعيداً عن وصاية الجيران وأطماع حلفائهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.