الدبلوماسية المدنية ورهان الكارثة: لماذا يجب أن يكون الملف الإنساني بوابة تحركاتنا الدولية؟

 تيسير المبارك

 

تشهد الساحة السياسية السودانية حراكاً مدنياً مكثفاً في المحافل الإقليمية والدولية؛ حيث تقود القوى الديمقراطية والمدنية جولات تواصل مباشر مع دوائر صنع القرار العالمي. ومما لا شك فيه أن هذه التحركات الخارجية تشكل تطوراً نوعياً ومطلاً مهماً لإبقاء الأزمة السودانية على أجندة الاهتمام الدولي، ومحاصرة الخطابات العسكرية الداعية إلى استمرار المحرقة، وكسر حالة العزلة التي يسعى تجار الحرب وفرسان التمكين إلى فرضها على تطلعات الشعب السوداني.

غير أن نجاح هذه الدبلوماسية المدنية وفاعليتها الميدانية يظلان مرهونين بالزاوية التي تُطل منها على العالم وبطبيعة المدخل الأساسي لخطابها. إن أي مخاطبة للمجتمع الدولي تتجاوز الأوضاع الإنسانية المأساوية أو تجعلها بنداً ثانوياً خلف الصراعات السياسية وترتيبات السلطة، ستكون قراءة قاصرة لا تستجيب للواقع ولا تلامس نبض الشارع السوداني الذي يكتوي يومياً بأحشائه المنسية.

إن اعتماد “الوضع الإنساني” كمدخل رئيسي وبوابة إجبارية للتحرك الخارجي للقوى المدنية يستند إلى عدة حقائق موضوعية لا يمكن القفز عليها: الكارثة الإنسانية هي المهدد الأول للبقاء: إن ملايين النازحين واللاجئين، وتفشي المجاعة، وانعدام الدواء، وتدمير المرافق الصحية، ليست مجرد أرقام في التقارير الأممية، بل هي قضية وجودية تسبق أي حديث عن المسارات السياسية والترتيبات الدستورية.

البوابة الأكثر تأثيراً لانتزاع القرارات الدولية: يمتلك الملف الإنساني القوة الأخلاقية والقانونية التي تُحرج القوى الدولية وتجبرها على اتخاذ خطوات عملية، مثل فرض الممرات الآمنة، وتسهيل دخول المساعدات، وحماية المدنيين، ووقف إطلاق النار لأغراض إغاثية.

فضح تعنت طرفي النزاع وتجريدهم من أي ادعاء بالمسؤولية: إن تسليط الضوء على سلاح التجويع والحصار يعري سلطة الأمر الواقع والمليشيات، ويكشف للعالم مدى استخفاف الطرفين بحياة المواطنين وتوظيف المعاناة اليومية كأوراق لمساومات سياسية وعسكرية.

إعادة الاعتبار لرغبة المواطن والشارع: إن المواطن السوداني في المعسكرات ومنازل النزوح لا يبحث اليوم عن توزيع المحاصصات السياسية، بل عن الأمن، والقمة، وجرعة العلاج. وحين تبدأ القوى المدنية خطابها من هذا الوجع، فإنها تستعيد بوصلتها الأخلاقية وتنحاز بشكل حقيقي وأصيل للشعب.

إن التواصل مع مراكز القرار في واشنطن، وبروكسل، والعواصم الإقليمية خطوة حيوية لقطع الطريق على مطامع فلول النظام السابق والواجهات العسكرية التي تريد استدامة الحرب. لكن هذه التحركات لن تتحول إلى نفوذ ضاغط وملموس إلا إذا أدركت القوى المدنية أن إيقاف الكارثة الإنسانية وحماية أرواح السودانيين هو الجذر الحقيقي لكل مشروع سياسي قادم.

العبور نحو السودان المدني الديمقراطي يبدأ أولاً بإنقاذ الإنسان السوداني من أنياب الجوع والمرض والقصف، ومن هنا فقط تتشكل مشروعية الخطاب المدني وقدرته على صناعة التغيير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.