رفض الحلول الدولية وانهيار الاقتصاد: هل يستخدم البرهان المدنيين كأداة ضغط على المجتمع الدولي؟

أواب عزام البوشي

من متابعتي وتحليلي لمسار الأحداث، يمكن القول إن رفض البرهان لكل الحلول الدولية ليس موقفاً عسكرياً فقط، بل هو استراتيجية بقاء متكاملة، عنوانها الأبرز: إما أن أكون جزءاً من الحل، وإما تستمر الحرب.. وليدفع السودانيون الثمن.

رفض مطلق.. وإغلاق لكل الأبواب :-

جدّد البرهان رفضه القاطع لأي تفاوض مع قوات الدعم السريع أو أي جهة أخرى، مؤكداً أن الحسم العسكري هو الخيار الوحيد. هذا الرفض ليس موقفاً ظرفياً، بل هو استراتيجية ممنهجة لتعطيل أي تسوية سياسية قد تهدد موقع المؤسسة العسكرية في قلب السلطة.

من تحليلي للأحداث، يبدو واضحاً أن البرهان يرفض الحلول السلمية لأنها ببساطة تُبعد المؤسسة العسكرية عن الحكومة. وهو يعلم أن أي تسوية سياسية حقيقية ستعني تراجع دور الجيش في إدارة الدولة، وهذا ما لا يمكن أن يقبله. فالمؤسسة العسكرية، بقيادة البرهان، هي المسؤولة عن كل ما حدث، وهي تدرك أن أي محاسبة أو تسوية قد تعني نهايتها السياسية.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن البرهان يحاول تبعيد الكيزان «أنصار النظام السابق» في الظاهر، لكنه في العمق يستفيد من وجودهم وتشبثهم بالحرب كطوق نجاة. فهم أيضاً لا يريدون أي تسوية تعيد ترتيب المشهد السياسي من دونهم.

تقارير تكشف: البرهان يريد تنصيب نفسه رئيساً :-

وكانت تقارير قد كشفت سابقآ عن أن البرهان يحاول تنصيب نفسه رئيساً للجمهورية. هذا الطموح الشخصي يفسر الكثير من مواقفه: الحرب بالنسبة له ليست مجرد معركة عسكرية، بل مسألة حياة أو موت سياسي. استمرار الحرب يعني استمرار حالة الطوارئ، واستمرار حالة الطوارئ تعني تأجيل أي عملية سياسية قد تُقصيه.

الأزمة الاقتصادية: الدولار فوق 9300 والانهيار يتسارع :-

في موازاة هذا الرفض السياسي، يشهد الاقتصاد السوداني انهياراً متسارعاً. فقد تجاوز سعر الدولار 9300 جنيه في السوق الموازية، بعد أن كان حوالي 4400 جنيه في يونيو الماضي، أي أن قيمة الجنيه تضاعفت تقريباً خلال ثلاثة أشهر فقط. هذا الانهيار لم يقتصر على سعر الصرف، بل امتد إلى الأسواق، حيث أغلقت المتاجر وأوقف التجار البيع بسبب التقلبات الحادة.

من قراءتي للوضع، البرهان يعلم تماماً أن الحرب هي سبب رئيسي للأزمة الاقتصادية و لتفاقم المعاناة، وهو نفسه أقرّ بأنها «جزء من المعركة». لكنه بدلاً من وقف الحرب لإنقاذ الاقتصاد، يستخدم الأزمة كورقة ضغط على الشعب أولاً (لتقبّل استمرار الحرب)، وعلى المجتمع الدولي ثانياً.

المدنيون بين الدروع البشرية والابتزاز الإنساني :-

في هذا السياق، تتكشف صورة أكثر قتامة. فتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية السابقة تشير إلى أن قوات البرهان وقواته متورطين في استخدام المدنيين كدروع بشرية، خاصة في مدينة الأبيض. الأساليب تشمل تمركز القوات والمعدات العسكرية داخل الأحياء السكنية، ومنع المدنيين من مغادرة مناطق العمليات، واستخدامهم كغطاء بشري.

وقد كشفت وثيقة مقدمة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أن القوات المسلحة السودانية ترفض إنشاء ممرات آمنة للمدنيين لمغادرة مدينة الأبيض، وتستخدم السكان كـ«دروع بشرية لتوليد تعاطف دولي».

المعادلة الأقسى: إما أكون جزءاً من الحل.. وإما تستمر الحرب :-

من تحليلي، يبدو أن البرهان يلعب بورقة الابتزاز الإنساني بامتياز. فهو يعلم أن المجتمع الدولي مضغوط من أزمات النزوح الكبيرة، سواء في غزة أو السودان. وهو يعلم أن هناك فجوة في تمويل الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية. وهو يعلم أن استمرار الحرب يعني استمرار تدفق اللاجئين، واستمرار الأزمة الإنسانية، واستمرار الضغط على المجتمع الدولي.

وهنا يطرح البرهان معادلته بوضوح: إما أن أكون جزءاً من الحل، وإما تستمر الحرب والسودانيون يعانون. وكأنه يقول للمجتمع الدولي: «إذا أردتم وقف هذه الكارثة، فعليكم التعامل معي كشريك، لا كمشكلة».

من يدفع الفاتورة؟

بينما يرفض البرهان كل الحلول الدولية، ويتشبث بالحسم العسكري، يدفع المدنيون الثمن باهظاً. فالأمم المتحدة تحذر من أن السودان مرشح لأن يشهد أسوأ أزمة جوع في العالم. وفي ظل انقطاع المساعدات، وتوقف شاحنات برنامج الأغذية العالمي، تتفاقم المعاناة يوماً بعد يوم.

الفاتورة على المدنيين :-

وهنا تبرز الحقيقة الأقسى: استمرار البرهان في الحرب، ورفضه أي حلول سلمية، رغم المعاناة الاقتصادية والإنسانية السيئة في السودان، هو دليل قاطع على أنه يستخدم المدنيين كورقة ضغط للضغط على المجتمع الدولي للقبول بوجوده في أي مرحلة قادمة.

هذه الحقيقة لا تحتاج إلى تفسير آخر. فمن غير المنطقي أن يشاهد حاكم شعبه يعاني من تدهور اقتصادي كارثي، وانهيار في الخدمات، ومجاعة تهدد الملايين، ثم يستمر في الحرب ويرفض كل أبواب السلام. لا يمكن أن يكون هذا قراراً عسكرياً فقط، بل هو قرار سياسي بامتياز، هدفه الوحيد ضمان بقاء البرهان في المشهد، حتى لو كان الثمن هو استمرار معاناة السودانيين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.