من أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان، بعد طول موقف، أن يرجع إلى الحق حين يتبين له الحق.
فالرجوع إلى الحق ليس هزيمة، والاعتراف بالخطأ ليس سقوطاً، وإنما السقوط الحقيقي أن يرى المرء الباطل واضحاً، ثم يظل واقفاً إلى جانبه خوفاً من أن يقول: أخطأت.
ولهذا، فإننا نثمن ما كتبه الدكتور عصام دكين أخيراً عن نقابة المعلمين بولاية الخرطوم، وعن وزارة التربية والتعليم، وعن واقع المعلم الذي بلغ من البؤس مبلغاً لا يليق بمن يحمل رسالة التعليم.
لقد قال دكين كلاماً كان ينبغي أن يُقال منذ سنوات.
والأهم من ذلك أن الرجل لم يكتفِ بانتقاد الوزارة، وإنما وجّه سهامه إلى النقابة نفسها، وهي النقابة التي ظل، ردحاً من الزمان، يدافع عنها وعن مواقفها، ويقف إلى جانبها في كثير من مواقفها.
وهنا تكمن قيمة الموقف الجديد.
فأن تنتقد خصمك أمر يسير.
أما أن تعود إلى الحق فتنتقد إخوانك الذين كنت تناصرهم بالأمس، فذلك هو الموقف الذي يستحق التقدير.
لقد قال دكين الآن: إن كثرة الوعود لم تعد مقبولة.
وقال إن المعلم أُنهك، وإن مرتبه لا يكفي، وإن النقابة تأخرت كثيراً في الدفاع عنه.
وقال إن الاجتماعات والوعود والتفاهمات لم تعد تطعم معلماً جائعاً، ولم تعد تحفظ كرامته.
وقال، بوضوح، إن النقابة التي تصمت طويلاً ثم تظهر بعد انفجار غضب المعلمين، لا تستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها صوت المعلم الحقيقي.
وهذا الكلام، وإن جاء متأخراً، إلا أنه كلام في الاتجاه الصحيح.
مرحباً بالرجوع إلى الحق.
نحن لا نريد من دكين أن يبرر لنا مواقفه القديمة، ولا أن يخجل منها، ولا أن يبحث عن أعذار لها.
فالإنسان ليس صنماً.
والفكر ليس سجناً.
والموقف السياسي أو النقابي ليس عهداً أبدياً لا يجوز للمرء أن يراجعه.
إنما العيب أن يعرف الإنسان أنه أخطأ ثم يكابر.
أما أن يعود، فذلك باب من أبواب الشجاعة.
وقديماً قيل: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
لقد تغير الكلام.. فلماذا لا يتغير الموقف؟
عندما كان دكين يناصر النقابة، كان من حقه أن يناصرها.
لكن عندما رأى أن النقابة قد ابتعدت عن المعلمين، وأنها تحولت من أداة للدفاع عن الحقوق إلى أداة لتبرير سياسات السلطة، كان من واجبه أن يراجع موقفه.
وهذا ما نراه الآن.
لقد وصل صوت المعلمين إلى درجة لا يمكن معها تغطيته بالبيانات المنمقة.
المعلم الذي لا يكفي راتبه للمعيشة لا يحتاج إلى خطاب عن الصبر.
والمعلم الذي عجز عن الوفاء باحتياجات أسرته لا يحتاج إلى صورة جماعية مع المسؤولين.
والمعلم الذي يضطر إلى العمل خارج المدرسة ليعيش، لا يحتاج إلى لجنة أخرى تجتمع مع الوالي وتخرج بعبارة: «تفاهمات مثمرة».
المعلم يحتاج إلى حقه.
يحتاج إلى راتب يحفظ كرامته.
ويحتاج إلى نقابة تقف معه عندما يظلم، لا إلى نقابة تشرح له لماذا ينبغي أن يصبر على الظلم.
أما الصنم.. فقد نطق أخيراً!
عنوان دكين: «أخيراً نطق الصنم!» عنوان ساخر، لكنه يحمل معنى عميقاً.
فالنقابة التي تصمت طويلاً أمام انهيار أوضاع المعلمين، ثم تستيقظ فجأة عندما يبلغ الغضب مداه، تبدو بالفعل كصنم ظل واقفاً في مكانه، حتى إذا اهتزت الأرض من تحته بدأ يتكلم.
لكننا نريد أن نقول لدكين أيضاً:
لا يكفي أن ينطق الصنم.
المطلوب أن يتحول الكلام إلى موقف.
وأن يتحول البيان إلى فعل.
وأن تتحول النقابة من الحديث باسم المعلمين إلى الوقوف مع المعلمين.
فالمعلم لا يأكل البيانات.
ولا يدفع إيجار منزله بالتفاهمات.
ولا يشتري الطعام بالوعود.
ولا يعالج أبناءه بالتصريحات.
ونثمن كذلك موقفه من إيقاف الإجازة بدون مرتب
لقد أصاب دكين حين وصف قرار إيقاف الإجازة بدون مرتب بأنه معالجة خاطئة للمرض.
فإذا كان المعلم يطلب الإجازة لأنه يبحث عن فرصة أفضل، أو يريد أن يعمل في مكان يستطيع فيه أن يعيش، فإن إغلاق باب الإجازة لن يعالج أسباب الهروب.
إنما سيجعل السؤال أكبر:
لماذا يريد المعلم أن يهرب أصلاً؟
هذه هي القضية التي ينبغي أن تجيب عنها وزارة التربية.
بدلاً من أن تمنع المعلم من الخروج، عليها أن تسأل: ما الذي دفعه إلى التفكير في الخروج؟
لماذا أصبح المعلم يبحث عن الذهب؟
لماذا اتجه إلى الركشة؟
لماذا يعمل في التجارة؟
لماذا يبحث عن فرصة خارج البلاد؟
لماذا أصبح التعليم عند كثير من المعلمين وظيفة لا تكفي صاحبها للحياة؟
هذه الأسئلة هي أصل المشكلة.
أما إغلاق باب الإجازة، فهو إغلاق للنافذة مع إبقاء الباب مغلقاً.
ونقول للدكتور عصام دكين، ونحن نثمن هذه العودة:
أكمل طريقك.
فإذا كنت قد رأيت اليوم ما لم تره بالأمس، فقل ذلك بلا مواربة.
وإذا اكتشفت أن بعض الذين كنت تدافع عنهم قد أخطأوا، فقل لهم إنهم أخطأوا.
وإذا تبين لك أن النقابة لم تكن في مستوى آمال المعلمين، فقل ذلك.
وإذا رأيت أن وزارة التربية قد ظلمت المعلم، فلا تتردد في تسمية الظلم ظلماً.
فالحق لا يصبح حقاً لأننا قلناه أمس، ولا يصبح باطلاً لأننا كنا نناصره بالأمس.
الحق أكبر من الأشخاص.
وأكبر من النقابات.
وأكبر من المواقع.
وأكبر من التحالفات.
وأكبر من الصداقة والزمالة والمصلحة.
وهنا يكون الرجوع إلى الحق شجاعة.
المعلم هو القضية
لسنا بحاجة إلى خصومة شخصية مع النقابة.
ولا نريد تصفية حسابات مع أحد.
القضية أكبر من الأشخاص جميعاً.
القضية هي المعلم السوداني.
هذا الإنسان الذي ظل يحمل المدرسة على كتفيه في أحلك الظروف.
المعلم الذي يذهب إلى الفصل وهو يفكر في إيجار البيت.
ويشرح الدرس وهو يفكر في دواء ابنه.
ويصحح كراسات التلاميذ وهو لا يعرف كيف سيدبر عشاء أسرته.
هذا المعلم لا يستحق الشفقة.
إنه يستحق العدالة.
والعدالة لا تكون ببيان في عيد المعلم.
ولا بصورة مع الوالي.
ولا باجتماع مغلق.
ولا بوعد جديد.
العدالة تبدأ عندما يصبح راتب المعلم متناسباً مع قيمة العمل الذي يؤديه.
وتبدأ عندما تكون النقابة مستقلة في قرارها.
وتبدأ عندما يشعر المعلم أن النقابة هي بيته، لا مكتباً تابعاً للسلطة.
نحن، من حيث المبدأ، لا نحاسب الإنسان على أنه لم يكن معصوماً من الخطأ.
بل نحترم فيه قدرته على مراجعة نفسه.
ولذلك نقول للدكتور عصام دكين:
شكراً لأنك عدت إلى الحق.
لقد كان بإمكانك أن تواصل الدفاع عن مواقف الأمس، وأن تبحث عن الأعذار، وأن تلوذ بالصمت.
لكنّك اخترت أن تتكلم.
وهذه بداية طيبة.
ونحن لا نريد من هذه العودة أن تكون مجرد «دكينيات» جديدة.
نريدها أن تكون موقفاً مستمراً مع المعلم.
فالرجوع إلى الحق لا يكتمل بالاعتراف وحده.
إنما يكتمل بأن يقف الإنسان حيث ينبغي أن يقف.
مع المظلوم لا مع الظالم.
مع المعلم لا مع من يستعمل المعلم.
مع الحق لا مع الجماعة.
وإذا كان الصنم قد نطق أخيراً، فإن المطلوب الآن أن تتحول الكلمات إلى عمل.
فالمعلمون لم يعد لديهم وقت لمزيد من الانتظار.
لقد طال الصمت.
وحان أن يتكلم الحق.
وحان أن يستعيد المعلم كرامته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.