رغم المأساة الكبرى التي يعيشها وطننا المكلوم، ورغم صهيل المدافع وركام الدمار الذي يخيم على أرجاء السودان، حاول تجار الحرب وصناع الانقلاب إغلاق دفتر الثورة السودانية وإيهام العالم بأن صوت ديسمبر المجيدة قد خفت تحت وطأة الرصاص. لكن الحقيقة الشاخصة في وجدان الشعب السوداني تشهد بعكس ذلك تماماً؛ فجذوة ديسمبر ما تزال حاضرة، متقدة، وعصية على الانطفاء، لأنها لم تكن مجرد موجة احتجاجية عابرة، بل إرادة وجودية وحلم وطن مدني ديمقراطي لا يموت.
إن الشقاء والنزوح والجوع الذي يقتطع اليوم من أجساد أسرنا في مخيمات المأوى وفي الشتات ليس دليلاً على انكسار الثورة، بل هو الكلفة الباهظة التي يدفعها هذا الشعب نتيجة لارتداد فلول الحركة الإسلامية وانقلاب الجنرالات على تطلعات الشارع. لقد أراد معسكر الحرب بثنائية “العسكر والكتائب” أن يجعل من البندقية البديل الوحيد للعمل السياسي، وأن يفرض “شرعية الأمر الواقع” عبر حرق المدن وتخريب المؤسسات وتشريد الملايين.
غير أن هذا الواقع الصعب وضع القوى المدنية وقوى الثورة الحية اليوم في نقطة فارقة ومواجهة مباشرة لا تحتمل المساومة مع معسكر الحرب: مواجهة بين مشروع الحياة ومشروع المحو: تقف قوى الثورة اليوم حائط صد أمام معسكر يقتات على استمرار المحرقة لضمان بقاء الجنرالات وتأمين الإفلات من العقاب، بينما يحمل الشارع المدني مشروع وقف الحرب واستعادة الدولة وتوفير الإغاثة والحياة للمواطنين.
إسقاط شرعية البندقية والتمكين المباد: إن الحراك الثوري اليوم يعيد ترتيب صفوفه لنزع أي غطاء سياسي أو أخلاقي عن سلطة الانقلاب وداعميها من الفلول، والتأكيد على أن أي عملية سياسية قادمة يجب أن تتأسس على إبعاد المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية وتفكيك بنية التمكين الإخوانية بالكامل.
توحيد الصفوف حول خيار السلام والتحول المدني: لم يعد الرفض الشعبي للحرب مجرد موقف عاطفي، بل أضحى فعل مقاومة ينظم صفوفه في لجان المقاومة، والنقابات، وغرف الاستجابة للطوارئ، التي تمثل اليوم الشريان الحقيقي لبقاء المجتمع على قيد الحياة.
إن الذين يراهنون على إنهاك الشعب السوداني وإجباره على القبول بوصاية الكتائب العقائدية أو سلطة الانقلاب يجهلون طبيعة هذا الشعب وعمق تجذره في أدبيات النضال السلمي. لقد خاض السودانيون معارك متتالية ضد أعتى الأنظمة الشمولية وانتصروا عليها، وما هذه الحرب اللعينة إلا سكرات الموت الأخيرة لمشروع الاستبداد الذي أوشك على الانتهاء.
ستتوقف هذه الحرب بصلادة وإرادة الشارع المنظم، وسيرحل مشعلوها إلى مزبلة التاريخ والأروقة الجنائية، بينما ستبقى جذوة ثورة ديسمبر المجيدة تضيء طريق السودانيين نحو دولتهم المدنية الخالصة: دولة الحرية، والسلام، والعدالة.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.