19.5 مليون سوداني يواجهون الجوع: هل من عقلاء وسط “الإسلاميين” أم أن شهوة السلطة تعمي الأبصار؟

تيسير المبارك

دق تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ناقوس الخطر الأخير بأرقام مفزعة تجعل الحليم حيران؛ إذ أعلنت المنظمة أن 19.5 مليون سوداني يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في موجة تجويع كاسحة لا ترحم طفلاً ولا مسناً. تسعة عشر مليوناً ونيف من المواطنين الكرام باتوا يبحثون عن كسرة الخبز وشربة الماء وسط ركام الحرب، بينما يواصل أطراف الصراع، وعلى رأسهم الحركة الإسلامية وكتائبها، الإصرار على استمرار هذه المحرقة حتى آخر سوداني!
إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات صماء تُقرأ في أروقة المنظمات الدولية، بل هي مأساة إنسانية تعيشها ملايين العائلات التي أُجبرت على النزوح، وفقدت مصادر رزقها، وباتت تفترش الأرض وتحتضر بجوع ممنهج يُستخدم بدم بارد كسلاح في هذه الحرب القذرة.
وهنا يطرح الشارع السوداني المنكوب السؤل الأكثر إلحاحاً وحرقة: هل من عقلاء وسط هؤلاء “الإسلاميين”؟ أم أن شهوة السلطة والانتقام قد أعمى القلوب والأبصار إلى حد التضحية بشعب كامل في سبيل أوهام العودة إلى مقاعد الحكم؟ استرخاص أرواح المواطنين وجوعهم: كيف يستقيم أخلاقياً ودينياً لمن يدعون المرجعية الإسلامية أن يرفعوا شعارات “بل بس” والاستمرار في الحرب حتى النهاية، بينما يعلمون أن ثمن هذا التعنت هو تجويع نصف سكان البلاد؟ أي دين أو منطق يبرر حرق المحاصيل، وتدمير البنية التحتية الزراعية، وعرقلة المساعدات الإنسانية من أجل مكاسب سياسية ضيقة؟
الارتهان لسراب “شرعية البندقية”: إن قيادات الحركة الإسلامية وفلولها، التي أشعلت شريرة هذه الحرب لتغطية سوءاتها وعرقلة مسار التحول المدني، ما زالت توهم قواعدها بأن الحسم العسكري هو الحل، بينما الحقيقة الشاخصة هي تفتيت الجغرافيا السودانية، وإهلاك النسل والحرث، وإدخال البلاد في أتون مجاعة غير مسبوقة.
غياب الصوت النظدي الداخلي: إن الصمت المطبق من المنتسبين لهذه الجماعة أمام هذه التقارير الكارثية يؤكد استلاب إرادتهم لصالح كتائب الظل وأمراء الحرب. لقد غاب صوت العقل والضمير الإنساني لصالح خطاب الكراهية والتحريض المستمر على الدمار.
إن الشبعان لا يشعر بآلام الجائع، والقيادات الإخوانية المقيمة في عواصم الشتات والملاذات الآمنة لن تكتوي بنار الأسعار ولا بسياط الجوع الذي ينهك أجساد السودانيين في مخيمات النزوح.
أوقفوا هذه الحرب الملعونة فوراً! إن إنقاذ 19.5 مليون سوداني من طاحونة المجاعة هو الواجب الأخلاقي والوطني المقدم على كل أجندة سياسية. إن التاريخ لن يرحم مشعلي الحرب ولا تجار الدين، وستظل أرقام الفاو شهادة إدانة أبدية لكل من فضل شهوة الكرسي على حق الإنسان السوداني في الحياة والكرامة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.