لم يكن تصريح حاكم إقليم دارفور في حكومة بورتسودان، مني أركو مناوي، بشأن رفض دعم أو إنشاء مليشيات جديدة مجرد موقف عابر، بل جاء في توقيت شديد الحساسية، يتزامن مع تشدد قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، في رفض التفاوض، وتصاعد النقاش حول مستقبل التشكيلات المسلحة ودورها داخل الدولة السودانية بعد الحرب.
وقال مناوي، في فعالية أُقيمت أمس، إنه يرفض أي دعم للمليشيات المسلحة تحت أي مسمى، محذرًا من تكرار تجربة قوات الدعم السريع، ومؤكدًا أن الدولة لا ينبغي أن تنشئ أو تموّل تشكيلات مسلحة من المال العام أو مواردها. كما دعا إلى بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية وقانونية، مؤكدًا تحمله مسؤولية موقفه مهما كانت تبعاته.
التوقيت هنا مهم.
ففي الوقت الذي يرفع فيه مناوي شعار «لا مليشيات جديدة»، يواصل البرهان تبني خيار الحرب عبر تكوين العديد من المليشيات باعتباره الطريق لاستعادة السيطرة على كامل البلاد، بعدما جدد، في 6 أكتوبر، رفضه الدخول في مفاوضات مع قوات الدعم السريع، وتعهد باستمرار العمليات العسكرية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات المشهد السوداني: كيف يمكن إنهاء ظاهرة المليشيات، بينما تستمر الحرب التي تعتمد، بصورة متزايدة، على شبكة واسعة من المليشيات والتشكيلات العسكرية المتحالفة مع الجيش؟
دولة واحدة.. جيوش متعددة
تشير دراسة حديثة لمركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى وجود نحو 150 مجموعة مسلحة فاعلة في الحرب السودانية، تشمل القوات النظامية والقوات شبه العسكرية والمليشيات القبلية والألوية التابعة للحركة الإسلامية ومجموعات الدفاع الشعبي «الإخوان» وغيرها.
وتقول الدراسة إن القوات المسلحة تعتمد بصورة متزايدة على مجموعات إسلامية مسلحة، من بينها لواء البراء بن مالك، الذي ينشط إلى جانب الجيش في عدد من الجبهات.
وبالتالي، فإن تحذير مناوي من «المليشيات» يفتح سؤالًا أكبر من قضية الدعم السريع وحدها: هل تتجه سلطة بورتسودان إلى إعادة بناء دولة تحتكر السلاح، أم إلى إعادة ترتيب شبكة من القوات المسلحة وشبه المسلحة تحت مظلة سياسية وعسكرية واحدة؟
السؤال لا يتعلق فقط بمن يملك السلاح اليوم، بل بمن سيملك القرار بعد توقف الحرب.
الإسلاميون.. الرابح المحتمل من إطالة الحرب؟
في واقع الأمر، تتزايد التحليلات التي تتحدث عن استعادة الحركة الإسلامية نفوذها داخل الجيش والشرطة خلال الحرب. وتشير مصادر وتحليلات إلى تنامي حضور كتائب الحركة الإسلامية المسلحة إلى جانب الجيش، فيما يرى مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن الحرب أتاحت لهذه الجماعات إعادة ترسيخ وجودها داخل المؤسسة العسكرية واستعادة موقعها في المشهد السياسي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تصنيف الولايات المتحدة، في مارس 2026، جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية عالمية، مع الإشارة إلى الحركة الإسلامية وجناحها المسلح، كتيبة البراء بن مالك، ضمن مبررات القرار الأميركي.
ومن هنا، يمكن قراءة الصراع داخل معسكر الجيش باعتباره أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية مع قوات الدعم السريع؛ فهناك أيضًا صراع على شكل الدولة التي ستخرج من الحرب، وعلى موقع المؤسسة العسكرية، وحدود نفوذ القوى الإسلامية، ومستقبل التشكيلات المسلحة التي ظهرت أو توسعت خلال الحرب.
البرهان أمام معادلة صعبة
البرهان لا يواجه فقط ضغوط المعارك، وإنما معادلة سياسية أكثر تعقيدًا: استمرار الحرب يمنحه مبررًا للإبقاء على بنية أمنية وعسكرية واسعة، لكنه في الوقت نفسه يجعل عملية إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة.
ومع كل يوم إضافي من الحرب، تتكاثر القوى المسلحة والمليشيات ومراكز النفوذ والاقتصادات المرتبطة بها، بينما تصبح عملية دمجها أو تفكيكها بعد الحرب أكثر تعقيدًا.
وهذا تحديدًا ما يجعل تصريح مناوي لافتًا؛ فهو صادر عن أحد أبرز الحلفاء العسكريين والسياسيين للجيش في حكومة بورتسودان، وعن قائد حركة مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش السوداني ضمن القوة المشتركة. وقد أعلنت القوة المشتركة، في أكتوبر، السيطرة على مناطق في غرب دارفور خلال عملياتها إلى جانب الجيش.
بمعنى آخر، فإن الرجل الذي يقاتل ضمن تحالف عسكري مع الجيش يضع الآن سقفًا سياسيًا واضحًا: دعم الجيش لا يعني تفويضًا مفتوحًا لإنتاج مليشيات جديدة.
مناوي يرفع السقف.. والبرهان يواصل الحرب
تصريحات مناوي لا تعني بالضرورة أنه خرج من تحالفه مع الجيش، لكنها تكشف عن توتر محتمل حول سؤال بالغ الحساسية: من يملك حق تشكيل القوة المسلحة، ومن يحدد مستقبلها؟
فالجيش والإسلاميين يريدون مواصلة الحرب عبر صناعة المليشيات حتى تحقيق أهدافهم العسكرية، ومناوي يتحدث عن ضرورة إنهاء ظاهرة المليشيات، بينما تعمل مجموعات مسلحة متعددة داخل المعسكر نفسه.
وفي الخلفية تقف الحركة الإسلامية، التي أعادتها الحرب إلى مساحة واسعة من الحركة والتأثير، بحسب تحليلات ومصادر متعددة. وتطرح هذه العودة سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل الحرب مجرد معركة لاستعادة السيطرة على الأراضي، أم أنها أصبحت أيضًا وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة السودانية؟
الاختبار الحقيقي
الاختبار الحقيقي أمام البرهان وحلفائه لن يكون في القدرة على كسب جولة عسكرية جديدة، وإنما في الإجابة عن سؤال الحليف القوي «مناوي».
هل ستكون هناك مؤسسة عسكرية واحدة؟
هل ستخضع كل التشكيلات المسلحة والمليشيات لقيادة الجيش؟
هل سيُسمح لكتائب الحركة الإسلامية بتحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ سياسي دائم؟
وهل تستطيع قيادة الجيش إنهاء ظاهرة المليشيات التي ساهمت في توسيعها، أم أن البلاد ستنتقل من حرب بين قوتين كبيرتين إلى دولة متعددة الجيوش ومراكز القوة؟
تصريح مناوي يضع هذه الأسئلة على الطاولة بوضوح غير معتاد داخل معسكر الحرب نفسه. أما استمرار رفض التفاوض، بالتوازي مع اتساع الاعتماد على المليشيات المتحالفة، فيجعل المعركة المقبلة، في جانب منها، معركة على شكل الدولة ذاتها، وليس فقط على من يسيطر على الأرض.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.