الجيش والمشتركة.. الحرب التي لم تبدأ بعد!

محي الدين بلال

حين تصبح الشائعة جزءا من المعركة!!

عندما يتداول النشطاء على منصات التواصل أن الحرب بين الجيش والقوات المشتركة باتت وشيكة، علينا أن نتوقف قليلاً قبل أن نتحول إلى أبواق تردد رواية قد تكون جزءاً من معركة أكبر.
في تقديري، احتمال اندلاع مواجهة مباشرة الآن لا يتجاوز 1% وفق المعطيات المتاحة علناً؛ ليس لأن المواجهة مستحيلة، وإنما لأن شروطها وترتيباتها لم تكتمل بعد.
ما يُدفع إلى الرأي العام اليوم قد يكون، في جانب منه، جس نبض: كيف ستتصرف المشتركة؟ كيف ستتحرك قياداتها؟ كيف ستتفاعل قواتها؟ وكيف ستتغير مواقف حلفائها إذا أصبح الحديث عن المواجهة أمراً واقعاً؟
وهنا تبرز قراءة سياسية أكثر تعقيداً: أن تكون بعض هذه الضغوط جزءاً من محاولة لتفكيك تحالفات القوات المشتركة، وعزل بعض مكوناتها، وإعادة تدويرها سياسياً وعسكرياً، ثم بناء صفقات وترتيبات جديدة مع أطراف بعينها.
أما نسبة هذه الخطة مباشرة إلى مخابرات الحركة الإسلامية، فهي اتهام يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة؛ لكنها تظل فرضية سياسية متداولة لا ينبغي تجاهلها عند قراءة المشهد، خصوصاً مع الصراع الأوسع على النفوذ داخل معسكر الحرب.
المشكلة ليست في المشتركة وحدها
حتى الآن، فإن الحديث عن حرب مرتبة بين الجيش والمشتركة يتجاهل سؤالاً أساسياً:
هل القوات التي تقاتل إلى جانب الجيش، وتعمل في بعض الأحيان تحت مظلته أو بتنسيق معه، أصبحت مرتبة سياسياً وعسكرياً بما يكفي للدخول في مواجهة جديدة؟
الإجابة تبدو أكثر تعقيداً من منشورات فيسبوك.
فهناك تعدد في القوى، وتباين في المصالح، وتحالفات قابلة لإعادة التشكيل. ولذلك فإن فتح مواجهة جديدة مع المشتركة لن يكون مجرد قرار عسكري؛ بل سيعني إعادة ترتيب واسعة للخريطة العسكرية والسياسية داخل معسكر الحرب نفسه.
وهنا تحديداً يجب أن ننتبه.
قد لا تكون المعركة القادمة هي معركة الجيش ضد المشتركة بالمعنى المباشر الذي يجري تسويقه الآن.
قد تكون المعركة أولاً على تفكيك التحالفات، وإعادة توزيع النفوذ، وعزل بعض الأطراف، ثم إعادة تركيب المشهد من جديد.
لكن المواجهة قد تحدث لاحقاً
القول إن الحرب ليست وشيكة لا يعني أنها لن تحدث.
على العكس، قد تكون هناك تناقضات حقيقية تتراكم، وقد تتغير الحسابات، وقد يصل الطرفان في مرحلة لاحقة إلى نقطة صدام.
لكن المرحلة الحالية لا تسمح لنا بتحويل الاحتمال إلى حقيقة.
ولهذا فإن النشطاء الذين يكررون الآن عبارة «الحرب بين الجيش والمشتركة اقتربت» يحتاجون إلى إعادة النظر.
ليس كل ما ينتشر على السوشيال ميديا خبراً.
وليس كل تسريب معلومة.
وليس كل تحليل يكشف ما يجري خلف الكواليس.
أحياناً يكون نشر الخبر نفسه هو الهدف.
فإذا كان هناك طرف يريد جس نبض المشتركة، فإن انتشار الحديث عن الحرب سيمنحه معلومات مجانية عن ردود أفعالها.
وإذا كان هناك طرف يريد تفكيك تحالفاتها، فإن رفع منسوب الخوف والشك داخلها قد يكون أكثر فاعلية من إطلاق رصاصة.
إلى النشطاء
قبل أن تكتبوا: «الحرب أصبحت وشيكة»، اسألوا:
لماذا الآن تحديدا؟
من نشرها؟
لماذا الآن؟
من المستفيد؟
هل توجد ترتيبات عسكرية لجيش حقيقية تؤكدها؟
وهل نحن أمام قرار حرب، أم أمام عملية جس نبض وإعادة ترتيب للتحالفات؟
المشتركة ربما قوة تفكيكها لا تحتاج إلى حرب أصلا، لانو لم تكن موجودة قبل اتفاق سلام جوبا، وللأسف الذي صنعهم و عادتهم للمشهد هو الدعم السريع، والان يقاتلون تحت امر الجيش و تركو ثورة الهامش،
السودان لا يحتاج إلى مزيد من صناعة الذعر.
يحتاج إلى قراءة أهدأ، وأعمق، وأكثر شكاً في الروايات الجاهزة.
فالمعركة التي يعلن عنها الجميع قد لا تكون هي المعركة التي يجري الإعداد لها فعلاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.