كامل إدريس.. الورطة الثالثة للبرهان حكومات الفشل والكوميديا السوداء

أسماء محمد جمعة

بعد أربعة أعوام من الانقلاب وعامين من الحرب، وجد البرهان نفسه محاصرا بين ورطتين: ورطة الانقلاب الذي عزله عن العالم وجعله منشغلا بالبحث عن الشرعية، وورطة الحرب التي أدخلت البلاد في حالة من السيولة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وبين الورطتين، بدا عاجزا عن الوصول إلى حلول حقيقية، لأن معظم خطواته لم تكن سوى التفاف على الحلول المنطقية، فلجأ إلى تشكيل حكومة هزيلة تتوافر فيها كل شروط الفشل المؤكد.

ولأن البرهان يقرأ من كتاب الحركة الإسلامية، فقد اختار لطاقم حكومته شخصيات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها انتهازية ورعناء، لا تملك شيئاً يمكن أن تقدمه لوطن غارق في الأزمات. فهي إما شخصيات ذات خلفية إسلامية، أو مدافعون عن الإسلاميين ومصلحيون، أو شخصيات فرضتها عليه قوة السلاح والعلاقات والنفوذ. وبدلا من أن ينجح في تشكيل حكومة لمعالجة الورطات والأزمات، وجد نفسه قد شكل حكومة أثبتت براعة فائقة في تعقيد المشهد، وكامل إدريس، الذي اختاره لرئاستها، هو نفسه أصبح ورطة ثالثة أكثر سوءاً.

ومن ينظر إلى سلوك طاقم حكومة كامل ادريس ويستمع إلى حديثهم، لا يحتاج إلى وقت طويل ليدرك عدم أهليتهم للمسؤولية. وسبحان من سهل للبرهان العثور على طاقم حكومي متفرد بأعلى معايير عدم الأهلية النفسية والعقلية والمهنية؛ الواحد منهم يفعل أي شيء ليقنع نفسه بأنه مسؤول استثنائي، دون أن يدرك أن رؤيته لنفسه لا تتفق مع رؤية الناس له، وأن تصرفاته لا تنتج سوى الجدل والسخرية منه، والشفقة على الحال الذي وصل إليه البلد.

فتصريحاتهم وتصرفاتهم تبدو منفصلة تماما عن الواقع الذي يعيشه السودانيون، وكأن المهمة الوحيدة الموكلة إليهم هي تحويل الفشل والضعف إلى إنكار، والإنكار إلى تبرير، والتبرير إلى طريقة دائمة في التعامل مع الواقع . والأغرب أنهم يتفوقون على بعضهم في ذلك، حتى تكاد لا توجد حالة استثنائية واحدة تكسر القاعدة.
ولا يوجد في حكومة البرهان نموذج اكثر اثارة للجدل والسخرية من رئيس الوزراء كامل ادريس نفسه. فمنذ توليه المنصب، تحول الرجل الى بطل متكرر لمشاهد لا يمكن وصفها الا بـانها «دراما سوداء». وتتوالي هذه المشاهد كلما خرج مخاطبا الشعب السوداني او تحدث الى العالم، حتى بات اسم «الامل» الذي اطلقه على حكومته عنوانا ساخرا للالم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي يعيشه الشعب السوداني.و لو كان بلا حكومة، لما واجه هذا المصير. ولا ادري من اين يجد السيد كامل الشجاعة التي تجعله يهرب من فشله بتعليقه على اعداء خارجيين، بل الرجل لا يخجل حتى من حقيقة ان تعيينه رئيسا للوزراء، ومن خلفه ارتال من المسؤولين جاء بحثا عن حلول للأزمات وليس التبرير لها بمشاهد درامية سريالية .

بدأ كامل إدريس تقديم مشاهد الكوميديا السوداء منذ بداية تعيينه، وكان أول عروضه عندما زار إريتريا، وهتف بحماس بحياة الرئيس الإريتري: «عاش الرئيس أسياس… عاش الرئيس أسياس»، في مشهد بدا وكأنه صادر عن مواطن إريتري مؤيد لأفورقي، لا عن رئيس وزراء دولة أخرى.
وقد أثار هذا المشهد موجة من التعليقات والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن غرابة الهتاف تجاوزت ما هو مألوف دبلوماسيا او لدى عامة الناس.

وحقيقة، لو كان البرهان مهتما بصورة السودان أمام العالم، وحريصا على أداء أعضاء حكومته ومصلحة الشعب، لكان مثل هذا الموقف كافيا، على الأقل، لإعادة تقييم صاحبه.
ولكن، لأن ذلك لم يحدث، فالسيد كامل فهم أنه قام بتصرف طبيعي، فتوالت المواقف المحلية والدولية التي تابعها السودانيون، ولا نحتاج إلى ذكرها ، والتي جعلت أداء كامل ليس فقط محل سخرية ونقد وتندر، بل ومقارنة أيضا برؤساء الوزراء الذين مروا على تاريخ السودان و في العالم. وظلت المشاهد التي يقدمها كامل ادريس تتراكم حتى جاءت واقعة الوقود الأخيرة لتضيف فصلا جديدا إلى هذه الكوميديا السوداء المحزنة.

فبينما كانت طوابير طويلة من السيارات تصطف أمام محطات الوقود، وفي ظل ارتفاع الأسعار وشكاوى المواطنين من أزمة الوقود وتبعاتها، خرج كامل إدريس في جولة ميدانية برفقة وزير الطاقة ووالي الخرطوم. ودخل إحدى المحطات بعد أن تأكد من وجود الوقود بها، وطلب من العمال قياس مستوى الوقود داخل الخزان، ثم هتف أمام الكاميرات، وعلى طريقة «عاش الرئيس أسياس»: «لا توجد أزمة وقود»، ورددها ثلاث مرات، ثم أشار إلى وزير الطاقة والوالي وقال: «لا توجد أزمة وقود ولا أزمة غاز، وإن أعداء الوطن شغالين» وكأنه يصف نفسه من حيث لا يدري،
ليرتفع التكبير والتهليل من الكمبارس المصاحب وضحايا الأزمة من حوله، في مشهد بدا وكأنهم افتتحوا بئرا جديدة للنفط، لا أنهم يتفقدون محطة وقود واحدة من ضمن مئات المحطات التي تعاني انعداما في الوقود.
لا ادري كيف تخيل كامل أن المواطنين سيصدقونه، والواقع يثبت أن الأزمة لم تكن بحاجة إلى ذلك المشهد السريالي ؛ فطوابير السيارات أمام المحطات تكفي وحدها لتقديم الإجابة. لذلك لم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى انتشرت مقاطع مصورة لطوابير السيارات في عدد كبير من المحطات وفي مختلف الولايات ، مصحوبة بصوت كامل إدريس وهو ينكر و ينفي وجود الأزمة ليكون الانكار والنفي دليلا على كذبه، في مفارقة جعلت المشهد مادة واسعة للسخرية والتداول.

وهكذا تحول كامل، مرة أخرى، إلى صانع مشهد مؤلم ومحبط بدلا من أن يكون جزءا من الحل .
ولأن موقف كامل، بوصفه مسؤولا، بدا لكثيرين منفصلا عن الواقع، خرجت عشرات الاسكتشات القصيرة الساخرة من الشباب، وهم يقلدونه في مشاهد تحكي عن أزمات أخرى كثيرة تنكرها الحكومة ، في محاولة ساخرة لإحراج المسؤولين وإيقاظ ما تبقى من ضمائرهم إن وجد.

وفي الحقيقة، لا يمكن النظر إلى مواقف كامل إدريس باعتبارها مجرد زلات فردية أو حالات منفصلة، لأنها تكشف مشكلة أعمق في طريقة إنتاج المسؤولين وإدارة الدولة. فالرجل ليس المسؤول الوحيد الذي يتعامل مع قضايا الشعب بهذه الطريقة، وإنما يمثل نموذجا لظاهرة تراكمت طوال ثلاثة عقود ونصف، حيث أصبح المسؤول أكثر اهتماما بصورة الواقع أمام الكاميرا من الواقع نفسه .
السودان يمر بحرب وانهيار سياسي و اقتصادي واجتماعي، ولا يحتاج إلى مسؤولين يجملون الواقع أو ينكرونه. فهناك حقائق لا يمكن إخفاؤها، لأنها لا يعيشها السودانيون وحدهم، بل يراها العالم كله ويتحدث عنها كاسوأ ازمة في العالم . ولا يمكن لجولة ميدانية أن تخفي الحقيقة، ولا لتصريح أن يعيد تعريف الواقع .
فالمشكلة ليست في أن يفشل المسؤول في حل أزمة ما، فهذا يمكن أن يحدث في أي دولة وفي أي حكومة. لكن المشكلة أن يتحول الإنكار إلى بديل عن الاعتراف، والتبرير إلى بديل عن الفعل، والاستعراض إلى بديل عن الإدارة.

الان مر عام ونصف على تعيين كامل ادريس رئيسا للوزراء، ورغم انه جيء به للمساعدة في معالجة ورطتي الشرعية والحرب، فانه هو نفسه تحول الى ورطة ثالثة اسوأ من الورطتين اللتين جيء به لحلهما، او على الاقل للتخفيف منهما. وكثيرا ما اشيع عن تغيير الحكومة، لكن ذلك لم يحدث. ولا ادري لماذا لم يفعل البرهان: هل هو عناد، ام مكابرة، ام انه عجز وقلة حيلة، ام انه لم يجد كفاءات مؤهلة، وان كل الذين امامه هم من النوعية نفسها، ولان الاكفاء والمهنيين يمتنعون؟ ولعمري، هذه ورطة رابعة أسوأ من الورطات الثلاث. ورطات أهون منها الاعتراف بالحقيقة والتسليم بها؛ فهذا أفضل للبرهان ألف مرة من الدخول في ورطة خامسة بتشكيل حكومة بالمواصفات نفسها، والاستمرار في طريق ليس فيه غير التورط فيما هو أسوأ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.