حكومةٌ تُسدّد بالتصريحات… ومعلّمٌ يعيش بالتقسيط!

محمد سراج محمد

قصاصات راي

لا يحتاج المعلم إلى آلة حاسبة لمعرفة عجز ميزانيته، بل يحتاج إلى خبير اقتصادي ليشرح له كيف يمكن لراتبٍ أن ينتهي قبل أن يبدأ، وكيف تستطيع الأسعار أن تركض بماراثونٍ أولمبي، بينما تتحرك المرتبات بسرعة سلحفاةٍ مصابةٍ بدوار الموازنة العامة!
أما استحقاقات المعلمين، فقد دخلت منذ زمنٍ بعيدٍ في العناية المركزة، والحكومة تزورها بين الحين والآخر بتصريحٍ صحفي، تطمئن فيه الرأي العام إلى أن حالتها مستقرة، وأن صرفها سيتم قريبًا، وأن اللجان المختصة تواصل جهودها الحثيثة. ويبدو أن هذه اللجان تعمل وفق تقويمٍ فلكي خاص؛ فـ«قريبًا» عندها ليست وحدةً زمنية، بل مرحلة تاريخية قد تمتد حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
يا لها من عبقرية إدارية! بدلًا من دفع المستحقات، تُدفع الوعود؛ وبدلًا من تحويل الأموال إلى حسابات المعلمين، تُحوّل القضية إلى لجنة، ثم من لجنة إلى لجنة، حتى يصبح الحق المالي رحلةً سياحيةً بين المكاتب، لا يعرف فيها صاحبه هل ينتظر مستحقاته أم ينتظر تقريرًا عن أسباب عدم صرفها. ولو كانت الوعود تُودَع في المصارف، لكان المعلم اليوم من كبار المستثمرين، ولأصبحت الحكومة أكبر مؤسسةٍ خيريةٍ لتوزيع الأوهام المجانية.
أما المعلم المسكين، فقد بلغ من الصبر مبلغًا يستحق معه وسامًا دوليًا في الاحتمال، وشهادة دكتوراه في التعايش مع المستحيل. يصبر على تأخير استحقاقاته، ويصبر على مرتبٍ يتبخر بمجرد استلامه، ويصبر على أسعارٍ لا تعترف بمفهوم الراتب الحكومي، وكأنها في خصومةٍ شخصيةٍ مع جيبه. وحين يشتكي، يُنصح بالصبر؛ وحين يصبر، يُكافأ بمزيدٍ من الصبر؛ وحين ينفد صبره، يُذكَّر برسالة التعليم السامية!
ولعل الحكومة تتصور أن المعلم يستطيع سداد إيجاره بالرسالة التربوية، وشراء الخبز بالانتماء الوطني، وعلاج أطفاله بعبارات الشكر والتقدير. وربما آن الأوان لتُدرج وزارة المالية في الموازنة العامة بندًا جديدًا بعنوان: «مخصصات الصبر الاستراتيجي للمعلمين»، يُصرف على هيئة خطبٍ رسمية، وبياناتٍ مطمئنة، وتصريحاتٍ مشبعةٍ بالسعرات الكلامية، عديمة القيمة الشرائية!
المفارقة الأكثر إيلامًا أن الدولة تريد من المعلم أن يُعلّم الأجيال احترام الوقت، بينما لا تحترم هي المواعيد التي تقطعها له؛ وتطالبه بغرس قيمة الأمانة، فيما تظل حقوقه معلّقةً بين توقيعٍ غائبٍ واعتمادٍ مؤجل؛ وتريده أن يُعدّ الطلاب لمستقبلٍ مشرق، بينما يعجز هو عن تدبير الحاضر دون الاستدانة من المستقبل نفسه!
أيُّ كوميديا سوداء هذه؟ أن يقف المعلم أمام السبورة ليشرح درسًا عن الحقوق والواجبات، ثم يعود إلى منزله ليشرح لأطفاله درسًا عمليًا في كيفية العيش بلا حقوقٍ مستوفاة، وبواجباتٍ لا تنتهي، وبوعودٍ حكوميةٍ تصلح لكل شيء إلا لسداد فاتورة!
إن استحقاقات المعلمين ليست صدقةً تنتظر مزاج المتبرع، ولا جائزةً تُمنح لمن يفوز بمسابقة أطول نفسٍ في الانتظار؛ إنها حقوقٌ واجبة، وتأخيرها ليس إنجازًا إداريًا يحتاج إلى التبرير، بل إخفاقٌ يحتاج إلى المعالجة. فالمعلم ليس صندوق طوارئٍ تموّل منه الدولة عجزها بالصمت، ولا مصرفًا يمنحها قرضًا مفتوحًا بلا فوائد ولا موعد للسداد.
لقد أتقنت الحكومة فنّ دفع المعلم إلى الانتظار، حتى كاد الانتظار يصبح المقرر الدراسي الوحيد الذي تتفوق فيه على جميع مؤسسات التعليم. بقي امتحانٌ واحد لم تدخله بعد: أن تدفع ما عليها، في موعده، دون مؤتمرٍ صحفي، ودون لجنةٍ جديدة، ودون أن تطلب من صاحب الحق أن يصفّق لمن أعاده إليه.
فالمعلم لا يريد معجزةً اقتصادية، ولا قصيدةً في فضائل الصبر، ولا بيانًا يعلن أن مستحقاته «تحت الإجراء». إنه يريد حقه، لا خبرًا عن حقه؛ مالًا ينفقه، لا تصريحًا يقرأه؛ وعدًا يتحول إلى فعل، لا فعلًا لغويًا يتكرر حتى يفقد معناه.
فإذا كانت الدولة عاجزةً عن دفع مستحقات من يُعلّم الناس معنى الالتزام، فبأيِّ منهجٍ ستشرح لهم معنى الوفاء؟ أم أن المنهج الحكومي الجديد قد حسم المسألة، وقرّر أن الحقوق تُدرَّس في المدارس، والوعود تُوزَّع في المكاتب، أما الوفاء… فموضوعٌ مؤجلٌ إلى حين تحسّن الظروف؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.