البرهان يغلق أبواب السلام.. مما يخشى الإخوان؟

 تقرير: عين الحقيقة

 

في وقت تتزايد فيه التحركات الدولية والإقليمية لوقف الحرب في السودان وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي معاناة ملايين المدنيين، جدّد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان رفضه الدخول في مفاوضات مع قوات الدعم السريع، متمسكاً بالخيار العسكري لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المنافسة. موقفٌ يثير تساؤلات جدية بشأن فرص السلام، والجهات المستفيدة من استمرار الحرب، والأسباب التي تدفع القوى المتنفذة داخل معسكر السلطة إلى التشدد في مواجهة المبادرات الدبلوماسية. ويأتي موقف البرهان في وقت دخلت فيه الحرب عامها الرابع، وسط اتساع رقعة المواجهات وتفاقم الكارثة الإنسانية، وتزايد الضغوط الدولية من أجل التوصل إلى هدنة تتيح وصول المساعدات، وتؤسس لمسار سياسي ينهي القتال ويفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي.

رفض التفاوض

وخلال كلمة ألقاها الثلاثاء في منطقة أمري بالولاية الشمالية، أكد البرهان عدم وجود مفاوضات مع قوات الدعم السريع، متعهداً بمواصلة العمليات العسكرية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. ويعكس هذا الموقف استمرار الرهان على الحسم العسكري، رغم مرور سنوات على اندلاع الحرب من دون أن ينجح القتال في وضع حد للصراع أو استعادة الاستقرار في البلاد. ويكتسب التصريح أهمية إضافية بالنظر إلى توقيته، إذ جاء بعد يوم واحد من لقاء البرهان بالمستشار الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، خلال اجتماع استضافه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين، في إطار الجهود الرامية إلى دفع الأطراف السودانية نحو وقف إطلاق النار وتسوية سياسية.

وتسعى واشنطن، وفق المبادرة المطروحة، إلى التوصل إلى هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تمهد لمسار تفاوضي أوسع يهدف إلى إنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال إلى الحكم المدني. غير أن تمسك القيادة العسكرية بمواصلة القتال يضع هذه الجهود أمام عقبة سياسية أساسية، تتمثل في غياب التوافق على أولوية وقف الحرب وشروط الانتقال من المواجهة العسكرية إلى التسوية.

هل يخشى الإخوان السلام

لا يمكن فصل التشدد في رفض التسوية عن الصراع على مستقبل السلطة في السودان، ولا عن المخاوف المرتبطة بمصير شبكات النفوذ التي تشكلت خلال عهد نظام المؤتمر الوطني، الذي ارتبط سياسياً بالحركة الإسلامية السودانية. ويرى مراقبون أن استمرار الحرب قد يوفر لبعض القوى المرتبطة بالنظام السابق فرصة لإعادة بناء نفوذها داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، مستفيدة من أجواء التعبئة العسكرية والاستقطاب الحاد وتراجع فرص الرقابة المدنية على مؤسسات الدولة.

وبحسب هذا التقدير، فإن الانتقال إلى تسوية سياسية جادة لن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل قد يفتح الباب أمام إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، ومراجعة النفوذ الحزبي داخل الأجهزة النظامية، وإخضاع الانتهاكات للمساءلة، إلى جانب استعادة المسار الديمقراطي الذي أُجهض بانقلاب أكتوبر 2021. وفي هذا السياق، نقلت تقارير إعلامية عن المحلل السياسي السوداني كمبال عبد الواحد تقديرات تربط تشدد القيادة العسكرية بتأثير جماعة الإخوان ومصالح القوى التي تخشى فقدان نفوذها في حال الوصول إلى تسوية مدنية حقيقية.

ويبرز ملف العدالة الانتقالية باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في أي اتفاق لإنهاء الحرب، إذ إن الانتقال إلى السلام قد يفرض التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وكشف شبكات المصالح التي استفادت من الحرب والسلطة. لكن هذه المخاوف، إن صحت، لا يمكن اعتبارها تفسيراً وحيداً لمواقف جميع الأطراف، بل تحتاج إلى أدلة مستقلة تكشف طبيعة المصالح والتأثيرات داخل مراكز صنع القرار. ويرى مراقبون أن الاختبار الحقيقي لجدية أي طرف في إنهاء الحرب لا يكمن في خطابه السياسي، بل في استعداده لقبول هدنة قابلة للمراقبة، وضمان وصول الإغاثة، والانخراط في عملية سياسية لا تحتكر فيها أي جهة عسكرية أو حزبية مستقبل البلاد.

الحرب المفتوحة.. من يدفع الثمن؟

بينما تتواصل المواقف المتشددة، يدفع السودانيون الثمن الأكبر للحرب التي اندلعت في أبريل 2023. فقد أدت المواجهات إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين والمقاتلين، ونزوح ولجوء ملايين الأشخاص، وتدمير واسع للبنية التحتية، وانهيار قطاعات أساسية من الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية. وتتزايد المخاطر مع امتداد القتال إلى مناطق جديدة، واستمرار الهجمات التي تطال المدنيين والعاملين في المجال الإنساني. وخلال الأيام الأخيرة، أفادت تقارير بتعرض شاحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي لهجوم في جنوب كردفان، أسفر عن مقتل أحد السائقين، كما تحدثت تقارير عن هجوم بطائرة مسيرة في ولاية النيل الأزرق أدى إلى مقتل مدنيات وإصابة آخرين.

وتؤكد هذه التطورات أن استمرار العمليات العسكرية لا يهدد حياة السكان فحسب، بل يقوض أيضاً فرص إيصال الغذاء والدواء إلى المجتمعات المحاصرة والمناطق التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي. كما أن اتساع رقعة المواجهات يرفع كلفة إعادة الإعمار، ويعمق الانقسام الاجتماعي، ويجعل عودة النازحين واللاجئين أكثر صعوبة. ويحذر مراقبون من أن تحويل استعادة الأراضي إلى معيار وحيد للنجاح العسكري يتجاهل السؤال الأهم: ما قيمة السيطرة على المدن والمناطق إذا ظل السكان بلا أمن أو خدمات أو ضمانات لعدم تجدد الحرب؟

القاهرة تتمسك بوحدة السودان والحل السياسي

في المقابل، تواصل مصر تحركاتها الدبلوماسية الداعية إلى الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته، وإنهاء الحرب عبر حل سياسي. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه البرهان، استمرار الجهود المصرية على المستويين الإقليمي والدولي لدعم التسوية وتخفيف المعاناة الإنسانية. وتعكس هذه التحركات إدراكاً إقليمياً متزايداً بأن استمرار الحرب لا يهدد السودان وحده، بل يضاعف مخاطر عدم الاستقرار في المنطقة، مع تداعيات مباشرة على حركة النزوح والأمن الإقليمي والتجارة والحدود.

غير أن نجاح الجهود الدبلوماسية يظل مرهوناً بمدى استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات حقيقية، والقبول بوقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، ورفض استخدام معاناة المدنيين وسيلةً للضغط السياسي والعسكري.

السلام ليس هزيمة.. بل إنقاذ للسودان

إن الفجوة بين التحركات الدولية الرامية إلى انتزاع هدنة، ومواقف القيادة العسكرية التي تتمسك بمواصلة القتال، تكشف عمق الأزمة السياسية التي تحيط بالحرب السودانية. فبينما يبحث المجتمع الدولي عن مدخل لوقف نزيف الدم، تظل البلاد رهينة حسابات القوة ومصالح الأطراف المتصارعة. لكن السلام لا يعني منح أي طرف حصانة من المساءلة، ولا فرض تسوية تتجاهل حقوق الضحايا أو تعيد إنتاج منظومة الاستبداد. بل يتطلب وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وحماية المدنيين، ومساراً سياسياً سودانياً واسع المشاركة، يستبعد احتكار السلطة، ويضع أسساً واضحة للعدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي والحكم المدني الديمقراطي.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا يرفض البرهان التفاوض؟ بل أيضاً: من المستفيد من استمرار الحرب، ومن يخشى أن يكشف السلام حقيقة المصالح التي تغذت على الصراع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب مراقبة مواقف الأطراف وأفعالها، لا الاكتفاء بالاتهامات السياسية. أما المؤكد، فهو أن استمرار الحرب لن يمنح السودانيين دولة مستقرة، وأن أي تأخير في وقفها يعني مزيداً من الضحايا والدمار وضياع فرص بناء وطن يتسع لجميع أبنائه. فالسودان لا يحتاج إلى حرب مفتوحة بلا أفق، بل إلى سلام عادل ينهي القتال، ويعيد القرار إلى المدنيين، ويؤسس لدولة القانون والمواطنة والديمقراطية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.