لماذا فشلت النخب النيلية في بناء دولة المواطنة والعقد الإجتماعي ؟ (٣ – ٤)
الجاك محمود أحمد الجاك
إستمرت توجهات الأحادية الثقافية في كافة أجهزة ومؤسسات الدولة بعد الإستقلال. وشملت محاولات أسلمة وتعريب جنوب السودان سياسات قوية من بينها توسيع التعليم الإسلامي وتشجيع إنتشار اللغة العربية، وإضعاف نشاط الإرساليات. هذه السياسة بدأت منذ فترة الحكومة المدنية برئاسة عبدالله خليل وهي التي شكلت أحد عوامل وأسباب زيادة المعارضة والمقاومة الجنوبية، لكن بلغت ذروتها إبان حكم الفريق إبراهيم عبود (١٩٥٨ – ١٩٦٤)، وشملت:
١. تعريب التعليم والإدارة:
فرضت حكومة عبود اللغة العربية كلغة للتعليم والإدارة بدلا عن اللغة الإنجليزية، وتم إرسال مدرسين من شمال السودان إلى المدارس الجنوبية مما أضعف فرص المعلمين الجنوبيين الذين لا يتقنون اللغة العربية.
٢. التوسع في التعليم الإسلامي بإنشاء الخلاوي والمعاهد الإسلامية والمدارس القرآنية والمساجد، وإستخدام النظام التعليمي كأداة لنشر الثقافة العربية والإسلام.
٣. التضييق على الإرساليات المسيحية التي كانت تساعد في التعليم وتقديم الخدمات في الجنوب، وطرد المبشرين، وإتهام الإرساليات بدعم التمرد وتهديد وحدة السودان.
٤. إستبدال يوم الأحد بالجمعة كيوم للعطلة الأسبوعية الرسمية في الجنوب، وهو تغيير حمل دلالة دينية وثقافية واضحة للمسيحيين وأتباع كريم المعتقدات الأفريقية الذين يشكلون الأغلبية في جنوب السودان.
٥. الضغط على الزعماء والإدارة المحلية:
تم إستبدال بعض القوانين والأعراف المحلية بنظم مستمدة من الإسلام. وقد تعرض بعض الزعماء لضغوط للإختيار بين الإسلام، أو فقدان مناصبهم.
٦. قمع الأصوات المناهضة لسياسات الأسلمة والتعريب، والأصوات المعارضة التي كانت تنادي بالفدرالية أو الحكم الذاتي لجنوب السودان.
أصبحت هذه السياسة كما ذكرت أحد عوامل وأسباب زيادة المعارضة والمقاومة في الجنوب والتي كانت نتيجة طبيعية لشعور الجنوبيين بالتمييز والإحتقار والتهديد الثقافي، وتعامل الدولة مع التنوع الجنوبي بإعتباره نغمة وعقبة ينبغي إزالتها والتخلص منها، بدلا من إستيعابها في إطار التعدد والتنوع الموجود في السودان.
شكل إستيلاء الأخوان المسلمين على السلطة في ٣٠ يونيو ١٩٨٩، وهي الجماعة الأكثر راديكالية ووحشية التي أنتجتها بنية الدولة القديمة، شكل وصولها إلى السلطة تهديدا وجوديا للسودان، فقد رسخ دستور ١٩٩٨ الدولة الثيوقراطية ذات الطبيعة والمرجعية الدينية والهوية الإسلامية والتي عرفت المجال العام من منظور ديني واحد ورسمي. وعلى سبيل المثال، لا الحصر:
١. القانون:
تم فرض الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع الرئيسي والرسمي، كما تمت إعادة بناء المنظومة القانونية والقضائية وفق المرجعية الإسلامية.
٢. التعليم:
تمت إعادة صياغة وأدلجة المناهج التربوية والتعليمية بما يتوافق مع التصور والتوجه الإسلامي والعروبي الرسمي للدولة، وشكل هذا التوجه تهديدا حقيقيا للهويات والثقافات السودانية الأخرى.
٣. الثقافة:
زادت حدة الأحادية الثقافية وبلغت درجة ممارسة الدولة للعنف الرمزي علنا. وليس أدل على ذلك من تمجيد أحد أكبر النخاسة وتجار الرقيق في أفريقيا (الزبير منصور رحمة المعروف بالزبير باشا) بتسمية أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة الخرطوم التي يفترض أن تكون عاصمة قومية بشارع الزبير باشا. كما يعتبر تشييد مصفاة تكرير البترول المنتج في جنوب السودان وجنوب كردفان في منطقة الجيلي/حوش بانقا والتي كانت تعرف في عصر الرق بحوش بانقي نموذجا آخرا للعنف الرمزي للدولة. فحوش بانقي في عهد الرق كانت عبارة عن ديم أو زريبة لتجميع الرقيق، ولا شك أن في إختيارها موقعا لتشييد مصفاة البترول رسالة واضحة لضحايا الرق في أنهم كجلابة ما زالوا يجلبون الدولار ويراكمون ويكدسون الثروة من بترول الجنوب وجنوب كردفان كما كان يجلب أجدادهم الثروة من بيع أسلاف ضحايا تجارة الرقيق.
٤. الإقتصاد:
تم تعريف وتنظيم أجزاء منه بمفاهيم إسلاميةمثل الزكاة والمصارف الإسلامية. وساد إقتصاد الريع العشائري المتجذر هو الآخر في الرق، وهو إقتصاد طفيلي يكرس للمحاباة وإستغلال القوى المنتجة بلا رحمة بواسطة الأقلية المسيطرة على السلطة في الدولة الشمولية، وتمركز الثروة في أيدي هذه الأقلية، كما يقوم الإقتصاد الريعي على تركيز الصرف على الأجهزة الأمنية والقمعية حيث يذهب أكثر من (٧٠%) من ميزانية الدولة للأمن والدفاع.
٥. المجتمع:
تم فرضت معايير للسلوك العام بإسم الدين.
٦. الجيش:
ظلت مؤسسة الجلابة منذ العام ١٩٥٥ تستخدم المؤسسة العسكرية ضد شعوب وأقاليم بعينها في السودان على أساس عنصري وجهوي، فحولت تلك الأقاليم إلى ساحات للعقاب الجماعي. وبعد صعود الإسلاميين إلى السلطة زاد الأمر سوءا حيث تم إختطاف وأدلجة القوات المسلحة على علاتها وعيوبها، وتم تحويل العقيدة العسكرية للجيش إلى عقيدة إسلامية جهادية، وتحولت بموجب ذلك الحرب في جنوب السودان إلى حرب دينية. وفي سابقة خطيرة تم إعلان الجهاد على النوبة بفتوى دينية صدرت في الأبيض في العام ١٩٩٢. أستبيحت بموجب تلك الفتوى الدينية دماء النوبة وأرضهم وأموالهم وأعراضهم. بل وصلت عنصرية ووحشية الدولة مرحلة تنفيذ سياسة الأرض المحروقة، وإستخدام الأسلحة المحرمة دوليا ضد النوبة. ولعل واحدة من الحسابات السياسية والتقديرات العسكرية الخاطئة للجماعة المسيطرة والتي ثبت خطلها، إعتقاد الجماعة بأن فصل جنوب السودان والتخلص منه سيمكنهم من قمع وإخضاع بقية الهامش والإنفراد بحكم ما تبقى من السودان وفق تصورها العروبي والإسلامي. ولأن عقلية النخاس ما زالت تشكل تهديدا وجوديا للآخر الثقافي في السودان، ظهر جنوب جديد في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور. وبالطبع سيظهر جنوب جديد آخر في كردفان وشرق السودان، وحتى في الخرطوم كما قال القائد عبدالعزيز آدم الحلو، لأن المشكلة ما زالت قائمة.
من الواضح أن النخبة السياسية والثقافية المهيمنة والتي تعاقبت على حكم البلاد منذ ما يسمى بالإستقلال، وفي إطار سعيها لإستدامة السيطرة والمحافظة علي إمتيازاتها المتجذرة في تاريخ الرق، ترفض العلمانية بوعي مصلحي تسلطي. ولذلك تصر على التوجه العروبي والإسلامي للدولة، وعلى بقاء الدين كمصدر رئيسي ومركزي للتشريع في السودان لإنتاج ترسانة قوانين تساعد على إستدامة الهيمنة والحفاظ على الإمتيازات. هذا الإصرار هو ما يؤكد وجود علاقة تاريخية بين الرق الذي ساهم في تشكيل التصورات التي صارت لاحقا جزءا من بنية الدولة وموقف النخب النيلية الرافضة للعلمانية. لذلك لا يجب أن يستمر الرق كواحد من التابوهات السياسية والقضايا المسكوت عنها في السودان، خاصة وأن الثورة في السودان لن تكتمل أخلاقيا إلا عندما تتحرر المجتمعات السودانية من الآثار الإجتماعية والاقتصادية والثقافية للرق.
وبما أن تسييس الدين قد عمق من الظلم والتهميش والإستبداد والإضطهاد الثقافي والديني في السودان، وفاقم من العنصرية وولد الحروب التي أدت إلى إبادة الملايين من المواطنين السودانيين، وقاد إلى تقسيم البلاد، وما زال يشكل تهديدا وجوديا لما تبقى من السودان، فهناك ضرورة لإحداث قطيعة تاريخية مع السودان القديم. فالواقع يقول لا توجد دولة وطنية في السودان حاليا، وأن الحل الجذري يكمن في تغيير بنية الدولة القديمة، وهدم الأساس الذي إنبنى عليه السودان القديم لإعادة هيكلة وبناء الدولة على أسس جديدة حتى لا يتكرر ذات الفشل الذي جعل السودان القديم دولة غير قابلة للحياة.
نواصل في الجزء الرابع والأخير من المقال،،
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.