من أطرف ما يمكن أن يفعله إعلامٌ رسميٌّ حين يجد نفسه أمام خبرٍ لا يريد له أن يكون خبراً، أن يبدأ في البحث عن زاوية هندسية للموضوع!
وهكذا، بدلاً من أن يقول التلفزيون الرسمي ببساطة: التقى البرهان بمسعد بولس في القاهرة، خرج علينا بالصيغة العجيبة:
«الرئيس البرهان لم يجلس مع مسعد بولس وجهاً لوجه»!
يا سلام!
إذن القضية لم تعد: هل حدث اللقاء أم لم يحدث؟
لقد انتقل التلفزيون، في لحظة عبقرية إعلامية، إلى سؤال أكثر أهمية: كيف جلس الرجلان؟
هل كان أحدهما جالساً والآخر واقفاً؟ هل كان بينهما متران؟ هل كانت الطاولة مستديرة؟ هل كان البرهان ينظر إلى اليمين، وبولس ينظر إلى اليسار؟ وهل يمكن أن يكون اللقاء لقاءً إذا لم تتلامس الجبهتان؟!
هذه ليست نشرة أخبار. هذه حصة في هندسة الجلوس السياسي!
والأغرب أن هذا التبرير لا يحمي البرهان من الخبر، بل يجعله أكثر إثارة للسخرية. فحين يعجز الإعلام عن نفي اللقاء، يبدأ في نفي طريقة الجلوس!
وكأن المواطن السوداني ينتظر من التلفزيون أن يخبره: هل جلس الرجلان وجهاً لوجه، أم ظهراً لظهر، أم بزاوية خمس وأربعين درجة!
المشكلة أن الخبر في حد ذاته صار أكبر من قدرة التلفزيون على التجميل.
فبدلاً من التعامل مع الجمهور باعتباره شعباً من المواطنين، يتعامل معه الإعلام الرسمي وكأنه مجموعة من الأطفال يمكن إسكاتهم بحكاية عن وضعية الكراسي.
وهنا تبلغ الكوميديا ذروتها.
فالذين ظلوا يطالبون الناس بالصبر، وبالثقة في الرواية الرسمية، وبالانضباط خلف القيادة، وجدوا أنفسهم أمام مهمة مستحيلة: إخفاء لقاءٍ لا يستطيعون إنكاره، فاخترعوا له نفياً لا ينفي شيئاً!
يا جماعة الخير، إذا كان الرجلان لم يلتقيا، فقولوا: لم يلتقيا.
أما أن تقولوا إنهما لم يجلسا وجهاً لوجه، فهذه ليست إجابة سياسية؛ هذه إجابة تصلح في تحقيق بوليسي عن ترتيب أثاث غرفة!
والأطرف أن بعض البلابسة السذج يجدون في هذه الصياغة مخرجاً عظيماً!
لا يا سادة.
الخبر لا يصبح كاذباً لأن الرجلين لم يجلسا على كرسيين متقابلين.
واللقاء السياسي لا يُقاس بمسافة الأنوف بين الأشخاص، وإنما بما قيل فيه، ولماذا حدث، وما الذي يعنيه.
إن أخطر ما في هذه الحكاية ليس اللقاء وحده، وإنما الخوف من الاعتراف باللقاء.
فحين يصبح مجرد ذكر اللقاء مشكلة، وحين تتحول النشرة الرسمية إلى ورشة لإخفاء الكلمات، وحين يُطلب من المذيع أن يطمئن الجماعة بأن البرهان لم يجلس «وجهاً لوجه»، نعرف أن هناك من يخشى الحقيقة أكثر مما يخشى نتائجها.
وهذه هي المأساة الحقيقية.
إعلامٌ رسمي لا يستطيع أن يقول للمواطن: هذا ما حدث، فيبحث بدلاً من ذلك عن صيغة تقول: حدث شيء، لكن ليس بالطريقة التي تتخيلونها!
يا له من انتصار عظيم!
لقد نجح التلفزيون أخيراً في حماية المشاعر الكيزانية الحساسة من صدمة الجلوس!
لكن بقي سؤال صغير:
إذا كان البرهان لم يجلس مع مسعد بولس وجهاً لوجه، فهل جلس معه سياسياً؟
هنا، على ما يبدو، ينتهي اختصاص التلفزيون.
لأن المسافة بين الكراسي يمكن قياسها بالسنتيمتر.
أما المسافة بين الحقيقة والرواية الرسمية، فتحتاج إلى جهاز قياس من نوع آخر!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.