على خلفية تهديدها بالقتل.. كيف أرعبت رشا عوض الإسلامويين؟

خالد أبوأحمد

في يوم الخامس من أكتوبر الجاري تفاجأ السودانيون بمنشور على (فيسبوك) لحساب يحمل اسم (أميرة كرار) يدعو صراحة ‏إلى اغتيال الزميلة الكاتبة رشا عوض رئيسة تحرير صحيفة (التغيير)، لم يكتف المنشور بالشتم والتحقير وإنما دعا الأجهزة ‏والكتائب المسلحة إلى استهدافها ووصف الرصاصة التي تصيبها بأنها “رصاصة حق” وجعل قتلها “الفريضة الغائبة”، وهذه ‏ليست المرة الأولى التي يُرفع فيها السلاح في وجه قلمها ففي أبريل 2023 ومع الأيام الأولى للحرب تعرضت لتهديد ‏بالتصفية ضمن حملة طالت عدداً من المدافعين عن التحول المدني الديمقراطي وردت يومها بمقال عنوانه “هذا هو ردي على ‏من يحرضون على قتلي أو اعتقالي!”، وفي عامي 2024 و2025 أُدرج اسمها مع صحفيين ومدنيين آخرين في قضايا ‏تصل عقوبتها إلى الإعدام‎.‎
‎الكلمة أقوى من الرصاصة‎
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بسيط، كيف لامرأة لا تملك غير قلمها أن تثير كل هذا الرعب في نفوس جماعة حكمت ‏السودان أكثر من ثلاثين عاماً وامتلكت الجيش والأمن والمال والإعلام والمنابر؟ والإجابة عندي واحدة ظللت أرددها طويلا، ‏الكلمة هي أقوى سلاح عرفه الإنسان، الرصاصة تصيب جسداً واحداً في لحظة واحدة ثم تنتهي، أما الكلمة فتنتقل من قارئ ‏إلى قارئ ومن جيل إلى جيل وتزرع في العقول سؤالاً لا تستطيع أي قوة أن تقتلعه، والأنظمة التي تقوم على الخوف ‏والشعارات تحتمل كل شيء إلا السؤال، وذكر الحقائق الموجعة‎.‎
وكنت قد كتبت في مايو الماضي مقالاً مطولاً بعنوان (تأملات في ظاهرة رشا عوض.. في مواجهتها لآلة التضليل) وقلت فيه ‏إنها ظاهرة في المشهد الصحفي السوداني، واليوم يأتي التهديد بالقتل ليؤكد ما ذهبت إليه، فلا أحد يحمل السلاح في وجه ‏كاتب لا يؤثر في الناس‎.‎
‎الطغاة يخافون الأقلام
الحقيقة أن تاريخ الاستبداد كله يقول الشيء نفسه، فالطغاة لم يخافوا يوماً من الجيوش بقدر خوفهم من الكُتب والصُحف ‏والقصائد، أحرقوا المكتبات وأغلقوا المطابع وسجنوا الكتاب ونفوهم لأنهم يعرفون أن السلطة التي تقوم على الكذب تسقط ‏عندما يبدأ الناس في التفكير، والإسلامويون في السودان ليسوا استثناء فقد صادروا الصحف، وأوقفوا الأقلام طوال ثلاثة ‏عقود، ورشا عوض نفسها مُنعت من الكتابة في عام 2012 فلم تتوقف ثم انتقلت إلى صحيفة (التغيير) التي تأسست في مايو ‏‏2013 لتكون منبراً للصحفيين والكُتاب الذين اعتُقلوا أو مُنعوا من الكتابة أو فقدوا أعمالهم، وواصلت الكتابة من خارج ‏السودان بالإصرار نفسه، وعندما فشل المنع لجأوا إلى ما هو أبعد منه‎.‎
‎*‎قوة الحجة والمنطق*‏
أما سر قوة رشا عوض فيكمن في أسلوبها، فهي تكتب بلغة سهلة يفهمها الطالب والعامل وربة البيت كما يفهمها المثقف ‏والسياسي، وتبني مقالها على الوقائع والتواريخ والأرقام، فلا تقول شيئاً إلا ومعه ما يسنده، وهي تأخذ ادعاءات خصومها كما ‏هي، ثم تضعها إلى جانب ما فعلوه على الأرض، فيظهر التناقض أمام القارئ دون أن تحتاج إلى رفع صوتها، وتسمي ‏الأشياء بأسمائها دون مواربة ودون خوف، ولا ترد على الشتيمة بالشتيمة، ولا تنزل إلى مستوى من يسيئون إليها، بل تناقش ‏الفكرة والموقف وتترك للقارئ أن يحكم‎.‎
وهذا بالضبط ما يربك خصومها، فالكاتب الذي يشتم يسهل الرد عليه والكاتب الذي يكذب يسهل فضحه، أما الكاتب الذي ‏يحاصرك بالحجة والدليل فلا يترك لك إلا خيارين، إما أن تراجع نفسك وإما أن تهرب من النقاش إلى شيء آخر، ‏والإسلامويون اختاروا الهروب‎.‎
وأكثر ما أوجع خصومها أحاديثها في المقاطع المصورة التي تنتشر سريعاً بين السودانيين أينما كانوا في أنحاء العالم، فتصل ‏كلمتها إلى جمهور أوسع من جمهور المقال المكتوب، ويغيظهم كذلك أنها لا تستجيب للصراخ والمناكفات، ولا تلتفت إلى ‏محاولات تمييع ما تريد إيصاله من معلومات وتحليلات، فتمضي في طرحها بالهدوء نفسه والوضوح نفسه، لذلك فشلوا في ‏حصارها بكل الطرق التي جربوها، وكأنهم يواجهون جيشاً عرمرماً لا أول له ولا آخر، فقد ظلت عصية على الإسكات ‏والحصار، ولم تنجح معها حملات التشويه ولا محاولات التضييق، ومن هنا صارت فكرة اغتيالها حاضرة في أذهانهم، لأنهم ‏لم يجدوا وسيلة أخرى يمكن أن تُسكت صوتها‎.‎
وبحسب تحليلات منشورة، فإن الشخص الذي أطلق على نفسه اسم (أميرة كرار) شخصية أمنية قيادية كبيرة، وليس من ‏الأشخاص الذين يجري استغلالهم وتوجيههم من الخلف، وهذا يعني أن قرار تصفية الزميلة رشا عوض قد اتُّخذ داخل ‏الدوائر الحاكمة نفسها، وهو أمر بات واضحاً لكل صاحب بصيرة، وفي هذا القرار اعتراف ضمني منهم بأن الكلمة التي ‏تكتبها رشا وتقولها أقوى عندهم من الرصاصة، خاصة وأن كتائبهم الإعلامية المنتشرة في عدد من الدول، والتي تُموَّل ‏بالعملات الحرة من أجل كُتاب نظام الأمر الواقع، قد فشلت فشلاً ذريعاً في المهمة التي كُلفت بها، إذ لم تستطع أن تقنع حتى ‏قواعدها بالدفاع عن موقفها في مواجهة الحراك المدني الذي ينتشر انتشاراً واسعاً في كل مكان، أما أفرادها فقد انتشروا في ‏الوسائط بأسماء وهمية، ولم يكن لديهم سوى السباب والشتائم والألفاظ البذيئة والاتهامات المعلبة الجاهزة لكل من يعارضهم.‏
من التنمر إلى الرصاص‏
ومنذ اندلاع الحرب وقفت رشا عوض بوضوح مع وقف الحرب ومع استعادة المسار المدني الديمقراطي ورفضت أن تنضم ‏إلى أصوات التعبئة والتحشيد، وكان هذا الموقف كافياً ليضعها في مرمى حملات التخوين والاتهام بالعمالة، لكن اللافت أن ‏هذه الحملات لم تقدم يوماً رداً واحداً مقنعاً على ما تكتبه، لم نقرأ مقالاً يفند حجتها بحجة مقابلة أو يصحح معلومة أوردتها ‏بمعلومة أدق، ما قرأناه ورأيناه كان شيئاً آخر تماماً‎.‎
فقد تعرضت الأستاذة رشا لموجات متتالية من الإساءة والتنمر على مواقع التواصل الاجتماعي ووصل الأمر إلى تداول ‏رسومات هزلية تسخر منها وتحاول النيل من شخصها، وهذه الرسومات تقول عن أصحابها أكثر مما تقول عنها، فمن يملك ‏الحجة يكتب ومن يفقدها يلجأ إلى السخرية من الوجه والجسد، والطريق من هنا معروف، يبدأ بالتشويه والاغتيال المعنوي ثم ‏ينتهي بالدعوة إلى الرصاص، وهذا التسلسل هو في حقيقته اعتراف صريح بالهزيمة في ساحة الفكر، فلو كان عند هؤلاء ما ‏يقولونه لقالوه‎.‎
‏امرأة في وجه المشروع
ولا يمكنني أن أتجاهل أن رشا عوض امرأة، والمرأة السودانية لم تكن يوماً على هامش تاريخ بلادها، فمن الكنداكات ملكات ‏مروي اللواتي قدن الجيوش ووقفن في وجه روما إلى مهيرة بت عبود التي حمّست الفرسان في مواجهة الغزو التركي ثم إلى ‏فاطمة أحمد إبراهيم أول امرأة تدخل البرلمان السوداني في عام 1965 وصولاً إلى الكنداكات اللواتي ملأن الشوارع في ‏ثورة ديسمبر، ظلت المرأة السودانية حاضرة في كل لحظة فاصلة، وقد خلّد الفنان الكبير عبدالكريم الكابلي هذا الإرث في ‏أغنيته «أي صوت زار في الأمس خيالي» التي مجّد فيها المرأة السودانية وشجاعتها ومواقفها وظلت تُغنّى جيلاً بعد جيل، ‏أما المشروع الذي حكم السودان ثلاثين عاماً وأكثر فقد أراد للمرأة السودانية أن تكون تابعة فقط ليس لها صوت ولا فكر ولا ‏رأي، ففرض عليها القيود والقوانين التي تحد من حركتها وسعى إلى إقصائها من المجال العام، ثم تأتي امرأة من هذا الإرث ‏الطويل لتقف في الساحة نفسها وتفكك خطابهم بمنطق أقوى من منطقهم ولغة أوضح من لغتهم، وهذا وحده يضاعف غضبهم ‏ويفسر جانباً من القسوة والانحطاط في الحملات التي تستهدفها‎.‎
‏التضامن واجب
لقد أحسنت نقابة الصحفيين السودانيين عندما أكدت في بيانها أن التحريض على القتل ليس رأياً ولا نقداً وإنما جريمة يعاقب ‏عليها القانون، وطالبت السلطات بفتح تحقيق فوري وتحديد هوية المحرضين ومحاسبتهم ودعت القوى السياسية والمهنية ‏والشخصيات العامة إلى إدانة هذه الحملات، وتوالت أصوات الزملاء الكتاب في التضامن معها ومنهم من قال صراحة إنه ‏يختلف معها في بعض ما تكتب لكنه يرفض أن يتحول الخلاف إلى حكم بالموت، وهذا هو الموقف الصحيح، فمن حق أي ‏سوداني أن يختلف مع رشا عوض وأن يرد عليها بما يشاء من حجج، أما أن يرد عليها بالرصاص فهذا أمر يمس كل ‏صحفي وكل كاتب وكل مواطن يريد أن يقول رأيه دون خوف‎.‎
إن التهديد الذي تلقته رشا عوض يؤكد أن كلماتها وصلت إلى حيث أرادت ونجحت في هز القناعات التي ظن أصحابها أنها ‏محصنة، وأقول لمن هددها إن قلمها سيواصل الكتابة وإن الأفكار التي تكتبها تعيش اليوم في عقول آلاف القراء ولن تنتهي ‏بتهديد ولا برصاصة، وأقول للزميلة العزيزة رشا عوض إننا فخورون بك وكلنا اعتزاز بما تقومين به من أجل السودان ‏وأهله وإننا معك وإن صوتك صوتنا جميعاً، حفظك الله ورعاكم ومتعك بالصحة والعافية، قواك ونصرك على أعداء الوطن ‏اعداء الإنسانية.‏
‏﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: ‏‏21]‏‎.‎

صباح السبت 10 اكتوبر 2026م

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.