قصاصات راي
المعلمون ينتظرون، والحكومة تعقد الاجتماعات، وتُفرّخ اللجان، وتُرضع الوعود حتى تكبر ثم تُدفن بلا جنازة. أما الحقوق، فتاهت في دهاليز التسويف، والراتب صار جثةً ماليةً تحتاج إلى شاهد إثبات، والكرامة هيكلاً مكسوراً لا يستره نقاب.
وفجأة، خرجت ما تُسمّى بالنقابة العامة لعمال التعليم، تحمل طبول البشارة لا بشائر الخلاص؛ فإذا بالمعجزة الموعودة لا تتجاوز صرف متأخرات أربعة أشهر، من سنواتٍ عجافٍ أكلت أجور المعلمين وابتلعت أعمارهم!
يا لسخاء من يمنحك بعض حقك بعد أن أكل التضخم بقيته! أيُّ قيمةٍ لأربعة أشهر وقد صار الجنيه شبحاً، والأسعار وحوشاً سائبة، والإيجار مقصلةً شهرية، وعلاج المريض مشروع استدانة، وإطعام الأسرة معركةً تنتهي غالباً بهزيمة المائدة؟
ثم أين تعديل الهيكل الراتبي؟ أين العلاوات والبدلات والمنح التي لم تعد تكفي لشراء ظل رغيف؟ أم أن أصل القضية صار محرّماً، وأن المطلوب من المعلم أن يشكر جلاده لأنه أعاد إليه بعض ما سُلب منه؟
إنها، في نظرنا، مساومةٌ على الجوع، وتدويرٌ للأزمة، وطلاءٌ رخيص لجدارٍ تتساقط خلفه كرامة المعلم. وإن لم تكن كذلك، فلتُفسَّر لنا هذه البشارة التي تشبه إعلاناً رسمياً عن استمرار الكارثة، مع جرعة تخدير لتأجيل الانفجار.
حقوق المعلمين ليست صدقةً تُرمى في مواسم الغضب، ولا فتاتاً يُقسَّم على موائد الانتظار. لا تُجزَّأ، ولا تُدوَّر، ولا تُدفن تحت ركام الوعود. معركتنا ليست مع أربعة أشهر من المتأخرات، بل مع هيكل راتبي مهترئ وحدٍّ أدنى للأجور لا يصون حياةً ولا يحفظ كرامة.
وما دون إصلاحٍ جذريٍّ يعيد للراتب قيمته وللمعلم مكانته، ليس إنجازاً؛ بل إعادة تدويرٍ للفشل، وإطالةٌ لعمر المأساة، وطلبٌ وقحٌ من الجائع أن يصفّق لحصته من السراب!
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.