«المشتركة» في مهب التناقضات: بين استحقاق الحياد وهمّ الشراكة الرديئة

نورا عثمان

تتسارع تحولات المشهد السوداني المأزوم لتكشف حجم العبث والارتجالية التي تُدار بها أحلاف الحرب؛ إذ لم يعد ممكناً إخفاء حالة الارتباك والتصدع التي تعيشها القوى والحركات المسلحة المنضوية تحت ما يُسمى بـ «القوات المشتركة». تأتي تصريحات حاكم إقليم دارفور، أركو مناوي، الأخيرة، لتضع علامات استفهام كبرى وشديدة الخطورة حول جدوى ومستقبل هذه الشراكة مع الجيش، في ظل متصاعد من الاحتكاكات الميدانية والخلافات الهيكلية مع المليشيات والكتائب العقائدية المتحالفة معه.
لقد بدأت القوة المشتركة مسارها بالاعتقاد أن التحالف مع القيادة العسكرية سيوفر لها مظلة شرعية ومكاسب ميدانية وسياسية، إلا أن التطورات الأخيرة أثبتت أن هذا الرهان لم يكن سوى انزلاق نحو الفوضى. إن تصريحات مناوي، التي حملت في طياتها نبرة التلميح والتصريح بالضيق من تجاوزات وتغول المليشيات المتحالفة مع الجيش، تعكس حجم المأزق التاريخي والأخلاقي الذي وجدت فيه “المشتركة” نفسها؛ إذ تحولت من قوة يُفترض بها حماية الإقليم وأهله إلى طرف في حرب استنزافية مفتوحة، تُدار بأجندات متناقضة لا تصب مطلقاً في مصلحة إقليم دارفور ولا السودان.
إن الاحتكاكات المتكررة في الميدان بين عناصر المشتركة وتلك الكتائب والمليشيات ليست مجرد تباينات تكتيكية عابرة، بل هي انعكاس طبيعي لتضارب الرؤى والمرجعيات. فالجيش، بوضعه الراهن وتحالفاته الرخيصة مع كتائب الظل والإسلاميين، يستغل هذه الحركات كحطب لحرب بقائه، دون أن يمنحها الشراكة الحقيقية أو الاحترام الميداني. وفي المقابل، تجد المشتركة نفسها تدفع ثمن هذا الانخراط من رصيدها السياسي والشعبي، وتتورط في صراعات جانبية تهدم ما تبقى من نسيج اجتماعي في دارفور.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة على قادة القوة المشتركة وعلى رأسهم مناوي: هل تملك هذه القوات الجرأة الأخلاقية والسياسية للعودة إلى موقف “الحياد” الإيجابي لحماية مجتمعاتها، أم أنها ستتخذ القرار الأكثر شجاعة بفض هذه الشراكة غير المتكافئة والانسحاب الكامل من المحرقة؟
إن التذبذب ومحاولة مسك العصا من المنتصف – بين التذمر الإعلامي والاستمرار الميداني تحت عباءة الجيش – لن يقود إلا إلى المزيد من التآكل الداخلي وفقدان المصداقية. لقد أثبتت التجارب أن التحالف مع المليشيات العقائدية وتجار الحروب تجربة مسمومة لا تنتج استقراراً ولا تحفظ كرامة.
على قيادات «المشتركة» أن تدرك قبل فوات الأوان أن المراهنة على خيار الحرب، والارتهان لتفاهمات هشّة مع قيادة عسكرية تعاني من التخبط وتعطيل مسارات السلام، هو انتكار لتطلعات أهل دارفور والوطن بأكمله. إن العودة إلى مربع الحكمة والحياد، أو إعلان التحلل الصريح من هذه الشراكة الخاسرة، لم يعد مجرد خيار سياسي، بل هو فرض عين للحد من الكارثة الإنسانية وإيقاف هذا العبث المستمر باسم الوطنية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.