قصاصات راي
تبدو أحوال التعليم الحكومي وكأنها تخضع لبرنامج إصلاح من نوع فريد: تجفيفٌ بطيء لمقومات التعليم، بلا إعلان رسمي عن تجفيفها! مرتبات المعلمين تتأخر، واستحقاقاتهم الضئيلة تنتظر الفرج، والمدارس تنتظر الصيانة، والمناهج تنتظر التطوير، والمعلم ينتظر التدريب والتأهيل، أما التلميذ فينتظر أن تنتهي كل هذه الانتظارات قبل أن يشيخ على مقعده الدراسي.
ويا لها من منظومة عجيبة! معلم يترك الخدمة في قمة عطائه لأن راتبه لا يكفيه لمواصلة الحياة، وآخر يبحّ صوته مطالبًا بتحديث المناهج، وثالث يذهب إلى المدرسة وكأنه ذاهب إلى معركة مع الجدران المتصدعة والسقوف المتهالكة. مدارس تنهار ولا تجد من يرمّمها، وأخرى تتآكل بصمت، كأن الصيانة بندٌ تجميلي في ميزانية دولة لا ترى في المدرسة إلا مبنى يمكن الاستغناء عنه متى تعذّر إصلاحه.
وسط هذا المشهد، يصعب تجاهل سؤال يتسلل من بين الشقوق: هل نحن أمام عجز مزمن عن إدارة التعليم، أم أمام مسار يقود، عمدًا أو من دون إعلان، إلى الانسحاب التدريجي للدولة من مسؤوليتها، وترك المجال للقطاع الخاص كي يتولى المهمة؟ لا تكفي هذه المؤشرات وحدها لإثبات وجود خطة حكومية مكتملة بهذا الاتجاه، لكنها تفتح بابًا مشروعًا للشك والمساءلة؛ فحين تتراجع الخدمة العامة وتتدهور شروطها، يصبح الاستثمار الخاص البديل الأكثر حضورًا، لا بالضرورة لأنه تفوق، بل لأن البديل الحكومي تُرك يتعثر.
وهنا تكمن المفارقة السوداء: قد لا تحتاج خصخصة التعليم إلى قرار معلن، ولا إلى مؤتمر صحفي تُرفع فيه الستائر عن المشروع الكبير؛ يكفي أن تصبح المدرسة الحكومية خيارًا اضطراريًا، وأن تتحول المدرسة الخاصة إلى طوق نجاة لمن استطاع دفع ثمنه، بينما يُترك أبناء الفقراء لمناهج قديمة وفصول مكتظة ومبانٍ تستنجد بمن يسمعها. عندها يصبح التعليم حقًا مكتوبًا في الأوراق، وامتيازًا يُشترى في الواقع.
لكن أين التقارير التي ترفعها الإدارات التعليمية؟ وهل عجزت عن وصف ما يحدث، أم أن الوصف وصل إلى الجهات المعنية ولم يجد طريقه إلى الفعل؟ وإذا كانت التقارير تُكتب عن معلم بلا حقوق، ومدرسة بلا صيانة، ومنهج بلا تحديث، فما جدوى أن تتحول إلى أوراق أنيقة تنام في الأدراج، بينما الواقع يواصل كتابة تقاريره على جدران المدارس المتشققة؟
إن كانت المعلومات لا تصل، فهذه كارثة إدارية؛ وإن كانت تصل ولا يُستجاب لها، فهذه كارثة في ترتيب الأولويات؛ وإن كانت التقارير تُجمّل الواقع، فالمصيبة أن تصبح الحقيقة نفسها موظفًا يخشى قول ما يرى.
التعليم ليس بندًا فائضًا في الميزانية، ولا عبئًا ينبغي التخلص منه كلما ضاقت الموارد، ولا سوقًا جديدة تنتظر المستثمرين كي يملؤوا الفراغ. إنه مسؤولية عامة، وأي إصلاح جاد يبدأ بإنصاف المعلم، وصيانة المدارس، وتحديث المناهج، وتأهيل الكوادر، وتوفير بنية تحتية تحفظ للتلميذ كرامته وللمدرسة وظيفتها.
أما ترك التعليم الحكومي يتداعى، ثم الإشارة إلى القطاع الخاص باعتباره الحل الطبيعي، فذلك يشبه إهمال بيت حتى ينهار، ثم الاحتفاء بمن يعرض بيع غرفه لمن يستطيع الدفع.
فهل ما يحدث في التعليم السوداني أزمة تحتاج إلى إصلاح، أم أن الإهمال نفسه صار يؤدي وظيفة سياسية واقتصادية لم يُعلن عنها؟
السؤال لا يحتاج إلى إجابة بلاغية جديدة، بل إلى إجابة تُرى في راتب المعلم، وسقف المدرسة، وكتاب التلميذ، وميزانية الصيانة. فالأوطان لا تفقد مستقبلها حين تُغلق المدارس فقط؛ أحيانًا تفقده حين تظل المدارس مفتوحة، بينما تُغلق الدولة عينيها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.