وضع تقرير وزارة الخارجية الأميركية بشأن الاتجار بالبشر لعام 2026 السودان ضمن الفئة الثالثة، وهي أدنى مستويات التصنيف، في مؤشر يعكس حجم التحديات التي تواجه مكافحة هذه الجرائم في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وتراجع قدرة المؤسسات الحكومية على حماية الضحايا وملاحقة المتورطين وتوفير خدمات الرعاية للمتضررين.
وقال التقرير إن حكومة بورتسودان المرتبطة بالجيش السوداني لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير المطلوبة للقضاء على الاتجار بالبشر، ولم تبذل جهوداً ملموسة لتحقيق ذلك خلال فترة الرصد. وأشار إلى قصور في الملاحقات القضائية، وضعف إجراءات تحديد الضحايا وحمايتهم، إلى جانب محدودية التدابير الوقائية، في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالنزوح والفقر وتدهور الخدمات الأساسية.
ولا تقتصر دلالات هذا التصنيف على أداء الحكومة في مكافحة الاتجار بالبشر، بل تمتد إلى التداعيات الإنسانية والأمنية للحرب، التي أوجدت بيئة أكثر ملاءمة لاستغلال الفئات الضعيفة، خصوصاً الأطفال والنساء والنازحين والمهاجرين، مع تراجع آليات الرقابة والحماية وصعوبة وصول المؤسسات المعنية إلى مناطق واسعة من البلاد.
تجنيد الأطفال في صدارة الانتهاكات
سلّط التقرير الضوء على تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، باعتباره أحد أبرز أنماط الانتهاكات التي شهدها السودان خلال فترة الرصد. وأفاد بأن القوات المسلحة السودانية وأطرافاً أخرى في النزاع تورطت، منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، في تجنيد الأطفال واستخدامهم، بمن فيهم أطفال جرى تجنيدهم قسراً.
ونقل التقرير عن تقارير صحفية ورود آلاف الادعاءات بشأن تجنيد الأطفال واستخدامهم منذ بداية الحرب، بما يشمل إجبارهم على القتال والاستطلاع وأداء مهام أخرى، فضلاً عن استخدامهم دروعاً بشرية. كما أشار إلى مخاطر تعرض الأطفال للاستغلال في أعمال قسرية مرتبطة بالنزاع.
وتبرز خطورة هذه الممارسات في أن آثارها لا تتوقف عند إشراك الأطفال في العمليات القتالية، بل تمتد إلى حرمانهم من التعليم والحماية الأسرية، وتعريضهم للعنف والإصابات والصدمات النفسية، بما يهدد فرص إعادة دمجهم في المجتمع بعد انتهاء الحرب.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة لم تقدم معلومات عن برامج لحماية الأطفال من التجنيد أو الاستخدام العسكري، أو لتسريح المجندين منهم وإعادة تأهيلهم. كما لم تُسجّل إجراءات لفحص القوات والميليشيات المتحالفة معها للكشف عن وجود أطفال في صفوفها.
غياب الملاحقات القضائية
وفي جانب إنفاذ القانون، رصد التقرير تراجعاً في الإجراءات المعلنة لمكافحة الاتجار بالبشر. فلم تبلغ الحكومة عن فتح أي تحقيقات جديدة في هذه الجرائم خلال فترة الرصد، مقارنة بأربعة تحقيقات في الفترة السابقة، كما لم تسجل ملاحقة أي مشتبه بهم، مقابل أربعة متهمين في العام السابق.
ولم تُسجّل أي إدانات لمرتكبي جرائم الاتجار بالبشر للعام الثالث على التوالي، وفق التقرير، الذي أرجع جانباً من ضعف إنفاذ القانون إلى استمرار الحرب وما تفرضه من قيود على العمليات الأمنية وجمع البيانات والوصول إلى الضحايا والشهود.
ويثير هذا الغياب المستمر للملاحقات القضائية تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الرسمية على تطبيق القوانين القائمة، خصوصاً في ظل اتهامات بارتكاب انتهاكات من جانب أطراف مسلحة متعددة، وتزايد صعوبة إخضاع المتورطين للمساءلة في مناطق النزاع.
وينص قانون مكافحة الاتجار بالبشر لعام 2014، بصيغته المعدلة، على تجريم الاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي والعمل القسري، بعقوبات تتفاوت بحسب طبيعة الجريمة والضحايا والظروف المشددة. كما يجرّم قانون القوات المسلحة لعام 2007 تجنيد الأطفال دون سن الثامنة عشرة، إلى جانب ممارسات أخرى، بعقوبات تصل إلى الإعدام في بعض الجرائم.
غير أن وجود النصوص القانونية، وفق ما تعكسه نتائج التقرير، لا يكفي وحده لمواجهة هذه الانتهاكات ما لم يصاحبه تنفيذ فعلي للقانون، وتحقيقات مستقلة وفعالة، ومحاسبة للمتورطين دون تمييز.
الضحايا بين الاستغلال وغياب الحماية
وفي ما يتعلق بحماية الضحايا، ذكر التقرير أن الحكومة لم تبلغ عن تحديد أي ضحايا للاتجار بالبشر خلال فترة الرصد، مقارنة بـ83 ضحية محتملة في الفترة السابقة. كما لم تعتمد إجراءات رسمية لتحديد الضحايا وإحالتهم إلى خدمات الرعاية، ولم تقدم معلومات عن توفير الدعم اللازم لهم.
وأشار التقرير إلى استمرار إغلاق المأويين الحكوميين المخصصين لهذه الفئة، في حين تدير منظمة دولية مأويين لضحايا الاتجار بالبشر في الخرطوم وبورتسودان، دون رصد تعاون حكومي معلن معهما خلال الفترة المعنية.
وتكشف هذه المؤشرات عن فجوة بين حجم المخاطر التي يتعرض لها السكان والقدرة المتاحة للاستجابة لها. فالنزوح وفقدان مصادر الدخل وتفكك الروابط الأسرية تدفع بعض المتضررين إلى القبول بأعمال خطرة أو الوقوع ضحايا لشبكات الاستغلال، بينما يحد نقص الخدمات المتخصصة من فرص التعرف عليهم وتقديم المساعدة اللازمة.
النساء والأطفال في دائرة الاستغلال
وحذّر التقرير من تعرض الأطفال المشردين في الخرطوم، بمن فيهم أطفال سودانيون ومهاجرون غير مصحوبين بذويهم من غرب ووسط أفريقيا، للاستغلال في التسول والعمل القسري والبيع في الأسواق والاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي.
كما أشار إلى استغلال الأطفال في الزراعة ومصانع الطوب وتعدين الذهب وجمع النفايات والبيع في الشوارع. وتواجه النساء والفتيات السودانيات، خصوصاً النازحات والقادمات من المناطق الريفية، مخاطر متزايدة من العمل المنزلي القسري والاستغلال الجنسي.
ولفت التقرير أيضاً إلى مخاوف بشأن الفساد والتواطؤ الرسمي في جرائم الاتجار بالبشر، مشيراً إلى أن الحكومة لم تبلغ عن اتخاذ إجراءات لمعالجة تورط مسؤولين في هذه الانتهاكات. كما ذكر أن قوات الدعم السريع أعادت إنشاء أجهزة شرطة محلية في بعض المناطق الخاضعة لسيطرتها، لكنه لم يرصد جهوداً كافية للتعامل مع جرائم الاتجار بالبشر أو محاسبة مقاتليها المتورطين فيها.
ضعف الوقاية وتراجع مؤسسات المكافحة
وفي مجال الوقاية، أوضح التقرير أن اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر واصلت العمل على تحديث خطة العمل الوطنية، لكنها لم تقدم تفاصيل عن التحديث أو اجتماعاتها خلال فترة الرصد.
كما حدّ نقص الموظفين والموارد، وضعف الحضور خارج المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، من قدرة اللجنة على تنفيذ مهامها. ولم تبلغ الحكومة عن تنفيذ حملات توعية عامة أو تشغيل خط ساخن لمساعدة الضحايا المحتملين، كما لم تقدم تدريباً متخصصاً في مكافحة الاتجار بالبشر للدبلوماسيين.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الحرب لا تؤدي فقط إلى زيادة فرص الاستغلال، بل تضعف أيضاً المؤسسات والآليات التي يُفترض أن تمنعه، من خلال تقليص الموارد وتعطيل التنسيق وتقييد الوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وفي ضوء ذلك، يعكس التصنيف الأميركي المنخفض تداخلاً بين اتساع الانتهاكات المرتبطة بالحرب، وضعف الملاحقات القضائية، وقصور منظومة حماية الضحايا والوقاية. ومع استمرار النزاع، تبقى مواجهة الاتجار بالبشر مرتبطة بقدرة السلطات والأطراف المسلحة على وقف تجنيد الأطفال والاستغلال القسري، وضمان وصول المساعدات، وإجراء تحقيقات فعالة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب إعادة بناء مؤسسات الحماية والرعاية.
ويكشف التصنيف الأميركي عن إخفاق واضح في حماية ضحايا الاتجار بالبشر ومحاسبة المتورطين، ويضع السلطات أمام اختبار جاد لتحويل القوانين والتعهدات إلى إجراءات فعلية، في وقت تترك فيه الحرب الفئات الأكثر هشاشة عرضة للاستغلال والإفلات من العقاب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.