تغَوُّل على السيادة وصمت السلطة: إلى متى يظل الشعب السوداني بلا حكومة تحمي وجوده وأرضه؟
تيسير المبارك
لم تعد مستباحةً أرواح السودانيين وأمنهم اليومي فحسب، بل باتت ثروات البلاد وسيادتها الوطنية مشاعاً يُستهدف على مرأى ومسمح العالم، وفي ظل صمت خنوع ومخزٍ من السلطة الحاكمة في بورتسودان. إن التقرير المتداول بشأن الغارات الجوية الجديدة التي استهدفت مناجم الذهب في شمال السودان لا يمثل مجرد خرق عسكري أو حادثة عابرة، بل يضع الاصبع على الجرح الغائر في الجسد السوداني: غياب الدولة، وانعدام الحكومة التي تحمي أرض الوطن ووجود إنسانه.
تستمر الانتهاكات والاعتداءات على المقدرات الوطنية، من أراضٍ وثروات تعدينية تُشكل الرئة الأخيرة لشعب يواجه خطر الفقر والمجاعة، بينما تكتفي السلطة القائمة بممارسة دور الشاهد العاجز، بل والمؤيد ضمنياً لأي طرف خارجي يضمن لها الاستمرار في مقاعد السلطة الهشة. إن الاستهداف الجوي للحدود الشمالية ومناجم الذهب يطرح أسئلة صريحة ومباشرة لا يمكن القفز عليها: بأي حق وبأي مسوغ تُستباح أراضي السودان وثرواته؟ وأين هي القوات المسلحة التي يفترض أن ديدنها الأول هو حماية الحدود والتراب الوطني؟
إن الفاجعة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الاستهانة الخارجية بالسيادة السودانية، بل في سلوك “سلطة بورتسودان” التي فرّغت مفهوم “السيادة الوطنية” من محتواه، واستخدمته فقط كشعار جوف للتنصل من التزامات السلام ولرفض المبادرات الدولية الرامية للحد من معاناة المدنيين، بينما يغيب هذا “الكبرياء الوطني” تماماً عندما تُقصف الحدود وتُنتهك الموارد وتستباح مقدرات الشعب.
لقد أصبح واضحاً أن ارتهان القرار السياسي والتنفيذي لأجندات محددة وحسابات البقاء الضيقة أفقَد هذه السلطة أي أهلية أخلاقية أو وطنية لتمثيل الشعب السوداني. فالشعب الذي يُترك لمواجهة الجوع، والنزوح، والانفلات الأمني، ثم يرعى شؤونه بينما تُقصف ثرواته الطبيعية ومصادر رزقه، هو شعب يُدفع دفعاً نحو خيار واحد لا بديل عنه: الانتفاض لمصيره وتعرية هذه السلطة الصامتة.
إلى متى يظل السودانيون يتفقدون خسائرهم في كل يوم من أرواحهم وممتلكاتهم وثروات أجيالهم، دون أن يجدوا دولة تشكل سياجاً لحمايتهم؟
إن حماية حدود السودان وأرضه ومناجمه ليست مجرد ملف تكتيكي يُترك للمساومات السياسية، بل هي أصل وجود الدولة. وما لم يتصدَّ الشعب السوداني بكل قواه الحية ووعيه الوطني لهذا الانكشاف المخزي، ويتزعزع عرش هذا العجز السياسي والأمني، فإن مسلسل التجريف والاستباحة لن يتوقف حتى يجهز على ما تبقى من وطن اسمُه السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.