لم يعد ممكناً التستر خلف شماعة الحرب لتبرير الفشل الذريع الذي تطبقه سلطة أمر الواقع في بورتسودان على تفاصيل حياة السودانيين؛ فالأزمة المعيشية والأمنية التي تنهك المواطنين اليوم لم تعد مجرد تداعيات جانبية للنزاع المسلح، بل أصبحت نتيجة مباشرة لسوء الإدارة، وغياب الرؤية الاقتصاديّة، والانفصال التام عن واقع المعاناة الإنسانية التي طالت كل بيت في البلاد.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن “حكومة بورتسودان” باتت عاجزة كلياً عن الاضطلاع بأبسط وظائف الدولة الأساسية، وهي توفير الأمن الغذائي وحماية أراوح وممتلكات المواطنين. وفي الوقت الذي تدفع فيه القوى الدولية والمنظمات الإنسانية بتحذيرات متتالية من خطر تفاقم المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد الذي يهدد ملايين السكان، تخوض هذه السلطة معارك انشغال وإلهاء سياسي، متجاهلة التدهور المريع في القوة الشرائية للجنيه السوداني وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات خيالية تجعل الحصول على الوجبة اليومية حلمًا بعيد المنال لغالبية العائلات.
إن مظاهر التردي الاقتصادي لا تقف عند حدود الأسواق والتضخم الشديد، بل تمتد لتطول عجز الحكومة عن حماية المواسم الزراعية وتعطيل شبكات الإنتاج والتوزيع الوطنية، فضلاً عن الفشل في تأمين تدفق واستغلال المساعدات الإغاثية الشفافة بعيداً عن أساليب المحاصصة والمتاجرة السياسية. وبدلاً من وضع خطط طوارئ اقتصادية ملموسة تُسهم في تثبيت الأسواق وتخفيف وطأة العوز، تنفق سلطة الأمر الواقع مقدرات الدولة في تمويل حرب المجهول وإدامة الجبايات والرسوم الباهظة التي تكسر كاهل المواطن النازح والمقيم على حدٍّ سواء.
وعلى الصعيد الأمني، أثبتت السلطة في بورتسودان عدم قدرتها على فرض هيبة القانون حتى في المناطق الخاضعة لسيطرتها المباشرة. فقد بات المواطن السوداني يرزح تحت وطأة انفلات السلاح وانتشار الكتائب والمليشيات وتعدد مراكز القرار الأمني، ما تحولت معه المدن والقرى إلى ساحات خوف مفتوحة ومستباحة، تشهد عمليات النهب والابتزاز والتضييق اليومي على العابرين والمهجرين قسراً.
إن المراهنة على خيار الصمت أو الاكتفاء بالبيانات الجوفاء لن ينقذ السودان من السقوط القادم في هاوية الانهيار الشامل. إن الإخفاق الحكومي في الملفين الاقتصادي والأمني يفرض على القوى الحية وعلى كافة مكونات المجتمع السوداني التصدي لهذا العبث الإداري، والضغط بكل الوسائل الدبلوماسية والشعبية لوقف نزيف الحرب، وإعادة هيكلة إدارة الموارد الوطنية بما يضمن إيصال الغذاء واستعادة الأمن، كضرورة قصوى لحفظ ما تبقى من الدولة السودانية والإنسان السوداني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.