استهداف المعدّنين السودانيين من جديد

مستور أحمد محمد

يتجدد استهداف المعدّنين السودانيين في عقر وطنهم من قِبل الجيش المصري. وهذا الفعل لن يتوقف ما لم تتغير العقلية التي تدير العلاقة مع السودان، وهي عقلية متجذرة في السياسة المصرية تجاه السودان، ومعروفة للقاصي والداني.

يحدث ذلك في ظل صمت مخزٍ من قبل سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، التي أصدأت الآذان بشعارات الكرامة والسيادة ورفض التدخلات الخارجية في شؤون البلاد، لكنها لن تجرؤ على الاحتجاج سرًّا، ناهيك عن إعلان موقف واضح تجاه هذا السلوك السافر؛ بل ستُحمّل الأبرياء مسؤولية عبورهم الحدود وارتكاب أفعال غير مقبولة داخل الأراضي المصرية، كما قال قائد الجيش في تعليقه على الاعتداء السابق.

لقد اعتاد السودانيون على مثل هذه الحوادث في ظل الحكومات العسكرية المرتهنة، ولهذا فإن مصر لن تدعم أي تحول مدني ديمقراطي في السودان، ولن ترضى إلا بحكم عسكري يمثّل امتدادًا لنفوذها، لكنها مخطئة في ظنها أن السودان سيظل أسيرًا لهذا التوجه.

 

فالسودان اليوم، رغم ضعفه وصراعاته، لم يعد السودان المعروف في الذاكرة السياسية المصرية؛ فطال الزمن أم قصر، سينهض هذا المارد من ركام التاريخ والحضارة، ليعلن من قصر كاشتا أن هذه الأرض لنا.

فهل هناك فرصة لإعادة تعريف العلاقة المصرية السودانية، حتى لا تنزلق الأمور إلى الأسوأ؟

الإجابة: نعم، إذا أدرك المصريون أن بين السودان ومصر مصالح وجودية مشتركة، ولكن لا يمكن إدارتها بعقلية الهيمنة والاستتباع، بل بعقلية استراتيجية تقوم على الندية والاحترام المتبادل والاستدامة، مع إحداث قطيعة نهائية مع التاريخ والانتقال إلى المستقبل، وهذا ممكن بالحوار الواضح والشفاف.

إن أخطر ما في هذا الاستهداف ليس سقوط الضحايا وحده، بل أن تتحول دماء السودانيين إلى وقائع عابرة لا تستدعي مساءلة ولا موقفًا وطنيًا مسؤولًا. فحين تصمت سلطة بورتسودان عن الاعتداء على مواطنين عُزّل، وتكتفي بالتبرير أو تحميل الضحايا مسؤولية ما جرى، فإنها لا تهدر كرامة المواطنين فحسب، بل تفرّط في جوهر السيادة التي تتغنى بها.

أما القاهرة، فعليها أن تدرك أن السودان ليس ساحة نفوذ مفتوحة، ولا دولة يُفترض أن تظل رهينة لحسابات الأمن والسياسة المصرية. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالضغط ولا بالتدخل في خيارات الآخرين، ولا يمكن ضمان المصالح المشتركة عبر إضعاف الجار أو مصادرة حقه في بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقلة.

إن استمرار هذا النهج لن يصنع استقرارًا لمصر، ولن يمنح السودان سلامًا، بل سيعمّق انعدام الثقة ويغذّي مشاعر الغضب والمرارة بين الشعبين. وإذا كانت سلطة بورتسودان عاجزة عن حماية المعدّنين السودانيين أو اتخاذ موقف معلن إزاء ما يتعرضون له، فإن ذلك يفتح سؤالًا جوهريًا عن معنى السيادة وحدود مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

لن تستقيم العلاقة السودانية المصرية إلا حين تتوقف سياسة الوصاية، وتُحترم إرادة السودانيين في اختيار نظام حكمهم، وتُصان أرواحهم وحقوقهم داخل بلادهم وخارجها. فالسودان لا يحتاج إلى وصيّ يحدد مستقبله، بل إلى شريك يحترم استقلاله ويؤمن بأن استقراره مصلحة مشتركة، لا تهديدًا ينبغي احتواؤه.

فالكرامة الوطنية لا تُقاس بارتفاع الشعارات، وإنما بالقدرة على حماية الإنسان السوداني، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء عليه، ورفض تحويل صمت سلطة بورتسودان إلى غطاء لتكرار المأساة. وستظل دماء المعدّنين وحقوق أسرهم اختبارًا حقيقيًا لجدية الحديث عن السيادة والندية والعلاقات الأخوية بين البلدين.

 

الرحمة والمغفرة للمقتولين، وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.