جراح لا تُرى: الصدمة النفسية الصامتة وندوب أسرى الحرب في السودان

نورا عثمان

يتحدث العالم عن الحرب في السودان عبر أرقام القتلى، وأعداد النازحين، ونسب انهيار الاقتصاد، ومؤشرات الجوع؛ لكن ثمة مأساة أخرى تدور أحداثها بعيداً عن العدسات والبيانات العسكرية، مأساة حذّر منها مؤخراً برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، متطرقاً إلى الجانب الأكثر ظلاماً وإيلاماً: تفاقم أزمة الصحة النفسية، حيث يحمل الملايين وطأة الصدمات والمخاوف، ويعانون في صمت مطبق دون أمل قريب في الحصول على الدعم.
إن أكثر من ثلاث سنوات من الاقتتال الدامي والانفجارات اليومية، والتهجير القسري، وفقدان الأحبة والممتلكات، لم تدمر البنية التحتية والمباني فقط، بل هشّمت البنية النفسية والوجدانية لشعب بأكمله. فالصدمة النفسية لم تعد حالة استثنائية تؤثر على أفراد بعينهم، بل تحولت إلى ظاهرة مجتمعية شاملة طالت الأطفال والنساء والشباب وكبار السن على حدٍّ سواء.
إن تعايش الإنسان السوداني مع خيارات الموت اليومية وضجيج المسيرات والرصاص، واضطراره لترك بيته والعيش في معسكرات النزوح أو الاغتراب القسري، يزرع اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، والقلق القهري، والاكتئاب الحاد في نفوس الملايين. والأدهى من ذلك أن هذه الصدمات تُعاش في ظل انهيار كامل للمنظومة الصحية؛ حيث خُربت المستشفيات وأُغلقت العيادات المتخصصة، وجرى تهميش قطاع الطب النفسي والدعم الاجتماعي ليصبح الحصول على استشارة نفسية أو علاج مهدئ أمراً شبه مستحيل.
ما أغفله صناع القرار ودعاة استمرار الحرب هو أن جراح الأجساد قد تلتئم بالضمادات، والمباني يمكن إعادة إعمارها بالخرسانة، أما الندوب النفسية العميقة فإنها تستمر لعدة أجيال إذا لم تُعالج بمسؤولية ووعي. إن ترك الملايين يخوضون معاركهم النفسية في صمت وعزلة لن ينتج سوى مجتمع منهك ومثقل بالحسرة والخوف، مما يصعّب من فرص التعافي الاجتماعي والسلم الأهلي مستقبلاً.
إن تحذير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يجب أن يشكل جرس إنذار لكل القوى الوطنية والدولية؛ فالصحة النفسية ليست رفاهية تُؤجل إلى ما بعد الحرب، بل هي أصل الصمود الإنساني ومكون أساسي للاستجابة الإنسانية الطارئة.
إن أول خطوة نحو شفاء الوجدان السوداني تبدأ بإيقاف هذه الحرب عبثية الدوافع فوراً، وفتح المجال أمام المنظمات والمبادرات المجتمعية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، وإعادة الاعتبار للإنسان الذي ظل يتحمل في صمت ما لا تطيقه الجبال.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.