يا مناوي، الدولة ما ضُلّ ضُحى.. والبندقية ما بطاقة عضوية في مجلس الوزراء!

محمد سراج محمد

قصاصات راي

الحاصل دا لو حكيتو لزول ما بعرفنا، بقول ليك: يا جماعة، إنتو بتحكموا بلد ولا بتديروا قعدة صلح في ضل شجرة؟ كل زول جاي بسلاحه، وكل زول داير ضماناته، وكل زول ماسك نصيبو من الكراسي، والمواطن المسكين قاعد في الناحية التانية، لا عندو كرسي ولا عندو بندقية، لكن عندو نصيب الأسد من الفواتير!

يطلع مناوي يتحدث عن المليشيات خارج الجيش، تقوم الدنيا، ويرجع يشرح وينفي شبهة التمرد. ياخ، البلد دي بقت زي زول كبّ جاز على النار، ولما اللهب عِلا، قام يقول للناس: يا جماعة، أنا قصدي أوضّح مخاطر الحريق، ما قصدي أولّع!

أول المفارقات:

تتحدث عن حكومة ما مفروض تكوّن مليشيات، طيب الحكومة دي منو؟ حكومة انتخبها الشعب وجابها بالصندوق، ولا حكومة اتفصّلت في غرف السياسة، واتوزعت فيها المقاعد على طريقة «أدّوني وزارتين وأنا بجيب ليكم السلام»؟ الحركات شاركت في ترتيبات السلطة واتفاق جوبا، والآن يُطرح سؤال المليشيات كأنو نازل من السماء، لا علاقة له بتركيبة الحكم ولا حسابات الشركاء.

ما ممكن الزول يشارك في العرس، ويأكل من الصينية، ويشيل اللحمة في كيس، وبعد داك يقيف في الباب يسأل: العريس دا منو؟!

ثاني المفارقات:

تأخر انخراط حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان في الحرب يفتح باباً مشروعاً للسؤال عن التوقيت والحسابات وكلفة القرارات. سقطت حاميات ومواقع في دارفور، ودُفعت أثمان بشرية وعسكرية باهظة، والفاشر شاهدة على أن الميدان ما بقبل المجاملة.

لكن في سودان العجائب، الجندي ممكن يواجه الموت في الخندق، بينما السياسة قاعدة في التكييف المركزي تراجع خياراتها! الزول الفوق يجرّب الفرضيات، والزول تحت يجرّب هل الرصاصة بتخطئ ولا لا.، الحسابات السياسية دي شكلها معمولة بالآلة الحاسبة، لكن فاتورتها بتطلع بالجثامين!

ثالث المفارقات:

تكون في السلطة، وتشارك في القرار، وتحتفظ بقواتك خارج المؤسسة العسكرية، ثم تحذّر من المليشيات! دي زي زول فاتح دكان سكر، وماسك مفتاح المخزن، ولما يجي الزبون يشتكي من النمل، يقوم ينادي الشرطة عشان تحقق في مصدر السكر!

يا مناوي، القضية ما قضية زعل ولا سوء فهم ولا تصريح اتقصّ من سياقه. القضية سؤال بسيط: هل السلاح تابع للدولة، ولا الدولة مطالبة كل يوم تستأذن السلاح؟

رابع المفارقات:

ست سنوات من اتفاق السلام، والترتيبات الأمنية ما زالت تنتظر التنفيذ الكامل. ست سنوات يا جماعة الخير! دي ما فترة انتقالية، دي فترة ممكن فيها العريس يجيب أولاد ويدخلهم المدرسة، بينما بندقية الاتفاق لسه منتظرة مأذون الدمج!

وفي الوقت الذي أعلن فيه مالك عقار استعداده لدمج قواته، يظل السؤال قائماً أمام بقية الأطراف: ما الذي يعطل التنفيذ؟ هل المشكلة في الإجراءات، أم في الحسابات، أم في أن بعض الناس عايزين السلام يكتمل، لكن ما عايزين امتيازات الحرب تنتهي؟

يعني دايرين العيشة تبقى عيشة سلام، لكن الإيجار يظل إيجار حرب!

خامس المفارقات:

صاحب الكرسي يطلب ضمانات قبل تسليم البندقية لمؤسسات الدولة. طيب، المواطن ذاتو منو يضمنو؟ منو بيدي النازح ضمانة إنو يرجع يلقى حلتو؟ منو بيدي الأم ضمانة إنو ولدها ما يمشي حرب تانية بسبب خلاف على رتبة أو مقعد أو نصيب في السلطة؟

المواطن ما عندو حرس شخصي، ولا قوة خاصة، ولا لجنة ترتيبات أمنية. ضمانتو الوحيدة المفروض تكون القانون. لكن لو القانون محتاج ضمانات من أصحاب السلاح عشان يدخل معسكراتهم، يبقى القانون دا عامل زي غفير غلبو الحرامي، وقام طلب من صاحب البيت يجيب ليهو غفير أقوى!

سادس المفارقات، وهي أمّ المصائب:

الشعب مطلوب منو يقدّم الروح والمال والولد والبيت، لكن لما يجي يقول: يا جماعة، دايرين جيش واحد وسلاح واحد، يكتشف أن طلبه البسيط محتاج مؤتمرات ولجان وتفاهمات وضمانات ومشاورات!

ياخ، المواطن السوداني دا لو كان عندو نصيب في كل لجنة اتكوّنت باسمه، كان زمانو بقى صاحب شركة استشارات دولية!

هو المطلوب منو يصبر، ويتحمل، ويدفن، وينزح، ويبدأ من الصفر؛ أما أصحاب الكراسي فكل ما ضاقت عليهم الأسئلة، فتحوا ملفاً جديداً وسمّوه «تعقيدات المرحلة».

يا سلام على المرحلة! مرحلة المواطن فيها فاقد البيت، والسياسي خايف يفقد المقعد؛ المواطن بخاف من صوت الرصاصة، والسياسي بخاف من صوت كلمة «دمج»!

والأطرف المبكي أن الجميع يتحدث باسم الدولة، لكن كل زول داير الدولة على مقاسه: جيش وطني، نعم؛ لكن قواتنا عندها ظروفها. قانون واحد، نعم؛ لكن عندنا خصوصيتنا. سلام شامل، نعم؛ لكن ما تنسوا استحقاقاتنا. كأنما السودان صينية فتة في عزومة كبيرة، وكل زول جايب معلقة وداير نصيبو محفوظاً، حتى لو الصينية ذاتها اتكسرت!

يا سادة، الدولة ما جمعية تعاونية، والجيش ما رابطة أصدقاء، والسلام ما قسمة ضحى بين أصحاب النفوذ. الدولة معناها أن البندقية ما عندها رأي مستقل عن القانون، وأن المنصب ما صك ملكية، وأن اتفاق السلام ما شيك مفتوح بلا تاريخ استحقاق.

الخلاصة:

يا مناوي، ويا قادة الجيش، الشعب ما داير يسمع شرحاً جديداً ولا توضيحاً بتلاتة ملاحق. الشعب داير يشوف السلاح داخل المؤسسة، والسلطة تحت المساءلة، والقانون ماشي على رجلينو، ما شايل عصاية يستأذن بيها أصحاب البنادق!

يا جماعة، البلد ما ناقصة كيمان، ولا الشعب ناقص كفن.

ما معقول كل زول يجي يقول: أنا مع الدولة، ثم يحتفظ لنفسه بالاستثناء من شروطها. دي زي زول يقول ليك: أنا ملتزم بقواعد المرور، لكن الإشارة الحمراء دي ما بتخصني، لأن عربيتي عندها وضع خاص!

والله لو استمرت الحكاية بالطريقة دي، حنبقى دولة عندها وزارة دفاع، ووزارة سلام، ومفوضية ترتيبات أمنية، ومجلس شركاء، ولجان متابعة، ومتحدثون رسميون، ومواطن واحد مسكين مكلف بمهمة مستحيلة: أن يعيش!

وفي النهاية، أخطر مليشيا على الدولة ليست فقط التي تحمل السلاح خارجها، بل كل عقل سياسي يتعامل مع الدولة كأنها ضيعة أبوه، ومع الشعب كأنو ضيف تقيل في عزومته.

والله يا بلد، بقيتِ زي زول ماشي المستشفى يعالج من الحمى، يلقى الأطباء مختلفين على منو يملك السرير، والممرضين بتفاوضوا على مفاتيح الصيدلية، والمريض مطلوب منو يدفع رسوم الانتظار!

«البلد البتكون فيها البندقية محتاجة ضمانات عشان تخضع للقانون، المواطن فيها محتاج معجزة عشان يعيش بالقانون».

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.