تبدو فكرة عدم الانحياز، للوهلة الأولى، موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا نبيلًا، يرتبط باحترام السيادة الوطنية ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ويكتسب هذا الموقف جاذبيته حين نستحضر انتهاك السيادة الوطنية، كما في الغزو الروسي لأوكرانيا، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتدخلات الأمريكية السابقة في فنزويلا وتشيلي وفيتنام. غير أن المعضلة تبدأ حين يتحول رفض التدخل إلى مبدأ مطلق، يتجاهل اختلاف الظروف والأطراف والنتائج، ويضع مواقف متباينة في سلة واحدة.
فالحياد ليس قيمة أخلاقية في ذاته، وإنما تتحدد قيمته بحسب السياق الذي يُمارَس فيه، والأهداف التي يخدمها، والنتائج التي تترتب عليه. وقد يكون الحياد وسيلة لتجنب التصعيد وفتح أبواب التسوية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى ذريعة للتقاعس عن مواجهة الظلم، أو إلى موقف يساوي عمليًا بين أطراف لا تتساوى مسؤولياتها ولا مواقفها من السلام.
الحياد في الحالة السودانية
تتجلى هذه المعضلة في موقف تحالف «صمود» من الحرب السودانية، من خلال تأكيد الحياد تجاه الطرفين المتقاتلين ورفض الانحياز لأي منهما. ورغم وجاهة رفض الاصطفاف العسكري والدعوة إلى وقف الحرب، فإن المساواة السياسية بين الطرفين ليست بالضرورة الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق السلام.
فالمطلوب ليس الانحياز إلى أحد طرفي الحرب بوصفه بديلًا عن الآخر، وإنما التمييز بين مواقفهما من التسوية، والاستفادة من أي استعداد جاد للتفاوض من أجل ممارسة ضغط سياسي أوسع على الطرف الرافض أو المعرقل.
ومن هنا، فإن استمرار التحالف في إثبات حياده، دون تحويله إلى استراتيجية ضغط سياسي فعالة، قد يأتي على حساب الهدف الأساسي المتمثل في وقف الحرب وإنقاذ البلاد والعباد من الخطر الوجودي الذي يتهددهم.
إن المطلوب هو توسيع جبهة القوى المدنية والسياسية التي تلتقي على إنهاء الحرب، وتوظيف قنوات الحوار المتاحة، بما فيها الحوار مع الطرف الأكثر استعدادًا للتفاوض، من أجل دفع الطرف الآخر إلى القبول بالتسوية. ولا يعني ذلك منح أي طرف صك براءة من الانتهاكات، بل اعتماد معيار واضح وثابت: مدى الاستعداد لوقف الحرب، واحترام المدنيين، والقبول بحل سياسي يعيد السلطة إلى المدنيين.
فالحياد بين طرفين لا يعني بالضرورة المساواة بينهما في المسؤولية، كما أن رفض الحرب لا يقتضي الامتناع عن ممارسة الضغط السياسي على من يعرقل إنهاءها.
«أمريكا أولًا»: من العزلة إلى الشعبوية
ليس شعار «أمريكا أولًا» الذي رفعه دونالد ترمب ابتكارًا سياسيًا جديدًا، بل هو تعبير معاصر عن تيار قديم في السياسة الأمريكية، ارتبط بالنزعة الانعزالية، والدعوة إلى تقديم المصالح الوطنية المباشرة على الالتزامات الدولية.
وقد اكتسب هذا التيار قوة كبيرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، حين دعا أنصاره إلى تجنب التورط في الصراعات الخارجية، والتركيز على بناء الاقتصاد الأمريكي وحماية الصناعة الوطنية من المنافسة الأجنبية. وكان من أبرز تجلياته فرض الرسوم الجمركية المرتفعة، بدعوى حماية الإنتاج المحلي والوظائف الأمريكية.
لكن التجربة التاريخية تكشف أن هذه السياسات، رغم جاذبيتها الشعبية والوطنية، قد تؤدي إلى نتائج تتناقض مع الأهداف المعلنة. فقد أسهم قانون سموت-هاولي الجمركي لعام 1930 في تصعيد الحرب التجارية الدولية خلال الكساد العظيم، حين رفعت الولايات المتحدة الرسوم على كثير من الواردات، وردت دول أخرى بإجراءات مماثلة، فتضررت التجارة العالمية وتفاقمت الضغوط الاقتصادية.
وقد تجاوزت البطالة في الولايات المتحدة خلال الكساد العظيم مستويات كارثية، ووصلت إلى نحو ربع القوى العاملة في عام 1933. ولم يكن الخروج من الأزمة نتيجة عامل واحد، بل جاء عبر مجموعة من التحولات والسياسات، كان من أبرزها برامج «الصفقة الجديدة» التي أطلقها الرئيس فرانكلين روزفلت، إلى جانب عوامل اقتصادية وتاريخية أخرى.
وفي المجال الخارجي، قيدت النزعة الانعزالية قدرة الإدارة الأمريكية على الانخراط المبكر في مواجهة التوسع العسكري لدول المحور. وكانت قطاعات واسعة من الأمريكيين تعارض دخول الحرب الأوروبية، قبل أن يغير الهجوم الياباني على بيرل هاربر في ديسمبر 1941 المزاج السياسي ويدفع الولايات المتحدة إلى الحرب.
وقد أسهم التدخل الأمريكي في هزيمة دول المحور، ثم في بناء نظام دولي جديد بعد الحرب العالمية الثانية، ارتكز على إنشاء مؤسسات دولية وتشكيل تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية بهدف تعزيز الاستقرار ومنع تكرار الكارثة.
ولم يكن هذا التحول انتصارًا لفكرة التدخل في كل نزاع، وإنما إدراكًا بأن الانكفاء عن العالم لا يضمن حماية المصالح الوطنية، وأن بعض التهديدات لا يمكن احتواؤها من خلال العزلة وحدها.
من أيزنهاور إلى ترمب
بعد الحرب العالمية الثانية، ترسخت في السياسة الأمريكية فكرة بناء التحالفات الدولية، وتعززت خلال رئاسة دوايت أيزنهاور، الذي واصل نهج الاحتواء وبناء التحالفات العسكرية والاقتصادية في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
ومع ذلك، لم تختفِ النزعة الانعزالية من الحياة السياسية الأمريكية، بل ظلت تيارًا حاضرًا، يعاود الظهور كلما تصاعدت المخاوف من كلفة الالتزامات الخارجية، أو شعر الأمريكيون بأن بلادهم تتحمل أعباء لا تعود عليهم بمنافع واضحة.
وفي مطلع التسعينيات، عاد شعار «أمريكا أولًا» إلى التداول في الخطاب السياسي، قبل أن يعيد دونالد ترمب توظيفه بصورة واسعة، جاعلًا منه عنوانًا لسياساته التجارية وموقفه من التحالفات الدولية والهجرة والمؤسسات متعددة الأطراف. وقد ساعدت جاذبية هذا الخطاب، بما يحمله من وعود باستعادة الوظائف والقوة الوطنية وتقليص الأعباء الخارجية، على تعزيز شعبيته وصولًا إلى فوزه بالرئاسة عام 2016.
غير أن المشكلة في هذا الشعار لا تكمن في أولوية المصالح الوطنية بحد ذاتها، فكل دولة معنية بحماية مصالحها، وإنما في اختزال السياسة الخارجية في حسابات آنية، وتصور أن الانكفاء أو فرض الرسوم الجمركية أو التخلي عن التحالفات يمكن أن يحقق الأمن والازدهار بصورة تلقائية.
الحياد بين المبدأ والنتيجة
تكشف هذه التجارب أن الحياد والعزلة وعدم الانحياز مفاهيم تتمتع بجاذبية أخلاقية وشعبية كبيرة، لكنها ليست ضمانة كافية لصحة الموقف السياسي. فقد يكون الحياد مدخلًا للتسوية، وقد يصبح وسيلة للهروب من المسؤولية؛ وقد تكون حماية المصالح الوطنية ضرورة مشروعة، وقد تتحول إلى شعار شعبوي يبرر سياسات تضر بهذه المصالح نفسها.
والدرس الأهم هو أن السياسة لا تُقاس بنقاء الشعارات وحده، وإنما بقدرتها على قراءة موازين القوى، والتمييز بين المواقف، وتقدير النتائج.
وفي الحالة السودانية، لا ينبغي أن يكون السؤال هو: هل نقف على مسافة واحدة من الجيش والدعم السريع؟ بل: كيف نستخدم استقلال القوى المدنية عن الطرفين المتقاتلين لبناء ضغط سياسي فعّال ينهي الحرب، ويوقف الانتهاكات، ويفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي؟
فالاستقلال عن طرفي الحرب لا يعني التساوي بينهما في كل شيء، كما أن رفض الانحياز العسكري لا ينبغي أن يتحول إلى حياد سياسي يعطل الفعل. إن قيمة الحياد الحقيقية لا تكمن في الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بل في القدرة على اتخاذ موقف مستقل وفعّال يخدم السلام والعدالة ومصالح الشعوب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.