«وسوف يقتلعون من الأرض اقتلاعاً».. هكذا بشّرنا الأستاذ محمود محمد طه، وهكذا تتكشف الأيام عن صدق البصيرة التي رأت في مشروع الإخوان المسلمين وهماً مؤسسياً، وفي ادعاءاتهم الدينية ستاراً كثيفاً يخفي وراءه شهوة السلطة، وفساد الضمير، وعبادة التمكين.
لم يكن ذلك الاقتلاع مجرد نبوءة بزوال سلطة، وإنما هو، في تقديري، وصف لمسار تاريخي تنكشف فيه الأكاذيب، وتتساقط فيه الأقنعة، ويسترد فيه الشعب ذاكرته، مهما طال ليل التضليل.
واليوم، يبدو أن شيئاً من ذلك بدأ يطل برأسه من بين شقوق المركب الكيزاني المتصدع. أصوات كانت بالأمس تنفخ في أبواق التمكين، وتدافع عن الباطل بلسان الحق، بدأت تتسلل من السفينة التي شاركت في بنائها، أو صمتت عن ثقوبها، أو صفقت للربان وهو يقودها إلى الصخور. وبعض من كانوا يظنون أن المشروع حصن لا يُهدم، وأن السلطة قدر لا يُرد، أخذوا يراجعون حساباتهم، ويعيدون ترتيب مواقعهم، وربما يبحثون عن قوارب نجاة قبل أن تبتلعهم الأمواج.
لكن مهلاً!
هل يكفي أن تقفز من المركب الغارقة حتى تبرأ من مسؤولية إغراقها؟
وهل يطهر تغيير المواقف الأيدي التي شاركت في العبث بمصائر الناس؟ وهل تصبح سنوات التبرير والتضليل، وإهدار الحقوق، وإفساد المؤسسات، مجرد سوء تقدير عابر، لأن صاحبها قرر أخيراً أن يكتشف ما كان الشعب يعرفه منذ زمن؟
إن الهروب من المركب ليس توبة بالضرورة؛ فقد يكون مجرد محاولة للنجاة بالنفس حين تتغير موازين القوة، ويصبح الدفاع عن المشروع عبئاً لا مكسباً. والفرق شاسع بين من يراجع نفسه لأنه أدرك فداحة الظلم، ومن يراجع موقعه لأنه أدرك أن الظالم آيل إلى السقوط.
الأول يملك شجاعة الاعتراف، والثاني لا يفعل أكثر من تغيير مقعده في السفينة.
لقد قرأت ما كتبه الدكتور عصام دكين في «دكينيات» بتاريخ ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦، تحت عنوان «الاتهام من الناحية القانونية والدينية»، وهو نص يطرح قضايا تتعلق بحقوق المعلمين، وحدود الاتهام، وضرورة التثبت قبل المساس بالذمم المالية للأشخاص.
ومن حيث المبدأ، لا خلاف على أن المطالبة بالحقوق لا تبيح اختلاق الوقائع، وأن اتهام الأشخاص بالفساد ينبغي أن يستند إلى أدلة، وأن القضاء هو الطريق إلى الفصل في الاتهامات. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا: لماذا تستيقظ هذه الحساسية القانونية والأخلاقية بهذه الحدة عندما يقترب الحديث من المسؤولين، بينما لا نرى الحماسة نفسها حين تُنتهك حقوق المعلمين، وتُهدر كرامتهم، ويُترك أصحاب الرسالة التعليمية يطاردون مرتباتهم ومستحقاتهم؟
أليس للمعلم ذمة مالية أيضاً؟ أليست له أسرة وأطفال والتزامات؟ أليس من الظلم أن يُطلب منه الصبر على تأخير حقه، ثم يُحذَّر من مغبة التعبير عن غضبه، وكأن القانون وُضع لحماية سمعة المسؤولين وحدهم، لا لحماية حقوق العاملين كذلك؟
إن التثبت من الاتهامات واجب، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عصا تُرفع في وجه المظلوم لإسكاته. كما أن صيانة السمعة لا تعني تحصين أصحاب المناصب من النقد، ولا منع الصحافة والرأي العام من مساءلة السلطة عن أدائها وقراراتها ووجوه إنفاق المال العام.
وليس كل نقد تشهيراً، كما أن ليس كل اتهام حقيقة. وبين الأمرين تقع مسؤولية الكلمة، وواجب تقديم الدليل، وحق الناس في مساءلة من يتولى شؤونهم.
أما حقوق المعلمين، فلا تحتاج إلى زخرفة خطابية كي تصبح مشروعة. المرتب المستحق ليس مِنّة من مسؤول، ولا هبة من حكومة، ولا صدقة يتفضل بها صاحب سلطة على من يعملون في خدمته. إنه حق مقابل عمل، والوفاء به واجب لا يسقط بالتقادم السياسي، ولا يُلغى ببيان نقابي، ولا يُستبدل بمواعظ الصبر وحسن الظن.
ومن أعجب مفارقات المشروع الكيزاني أنه جعل الدين حاضراً في خطابه، وغائباً في كثير من ممارساته؛ يستدعي آيات التثبت حين يُسأل عن المال، لكنه لا يمنح المظلوم دائماً حقه في الإنصاف؛ يرفع شعارات الفضيلة، ثم يطالب الناس بغض الطرف عن نتائج السياسات التي أفقرتهم، ومزقت مجتمعهم، وأدخلت بلادهم في دوامة من العنف والخراب.
والدين، في جوهره الأخلاقي، لا يقف عند حدود منع البهتان؛ بل يقف كذلك في وجه الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، واستغلال النفوذ، واحتقار الضعفاء. ولا يصح أن نقتطع منه ما يحمي المسؤول من النقد، ثم نترك ما يلزم المسؤول نفسه بالعدل والمحاسبة.
فإذا كانت البينة مطلوبة عند اتهام شخص بالفساد، فإن البينة مطلوبة كذلك عند تبرئته. وإذا كان التشهير محرماً، فإن تزييف الحقائق والتستر على الفساد، متى ثبتا، ليسا فضيلة دينية ولا حكمة سياسية.
ولذلك، فإن الاحتكام إلى القانون والدين ينبغي أن يكون باباً للإنصاف المتبادل، لا حيلة لإسكات أصحاب الحقوق، ولا ممراً آمناً يخرج منه المتنفذون بلا مساءلة.
لا توبة بلا اعتراف، ولا مصالحة بلا حساب
إن الذين بدأوا يقفزون من المركب الكيزاني مطالبون، قبل البحث عن شاطئ جديد، بأن يجيبوا عن أسئلة لا تمحوها تبدلات المواقف:
ماذا فعلتم حين كان الظلم يقع أمام أعينكم؟
ماذا قلتم حين كان المعلم يطالب بمرتبه، والمواطن يبحث عن دواء، والطفل يُحرم من المدرسة، والبلاد تنزف من حروب العبث بالسلطة؟
هل دافعتم عن الحق حين كان الدفاع عنه مكلفاً، أم لم تكتشفوا الحق إلا حين صار الباطل نفسه مكلفاً؟
ومن أين لكم أن مجرد الابتعاد عن المركب يُسقط المسؤولية عن سنوات من التأييد والتبرير والمشاركة، كلٌّ بحسب ما ثبت عليه من فعل أو قول أو قرار؟
لسنا دعاة انتقام، ولا ينبغي أن نكون. فالعدالة ليست تصفية حسابات، والمحاسبة ليست تشفياً، والدولة التي نريدها لا تستبدل ظلماً بظلم، ولا تجعل الخصومة السياسية حكماً بالإدانة. لكننا نريد قانوناً لا يخاف أصحاب النفوذ، وعدالة لا تنتقي خصومها، ومساءلة لا تُعفى منها الأسماء الكبيرة لمجرد أنها غيّرت خطابها في اللحظة الأخيرة.
من أخطأ فليعترف، ومن شارك في جريمة فليُحاسب وفق القانون، ومن ظلم فليُرد الحقوق إلى أصحابها، ومن أراد التوبة فليبدأ بإصلاح ما أفسد، لا بالبحث عن منصة جديدة يطل منها على الناس بوجه مختلف.
أما الشعب، فلا يجوز أن يُطلب منه أن ينسى كل شيء لمجرد أن بعض الذين أوجعوه قد ضاقوا أخيراً بمركبهم.
إن أعظم ما يبشر به انكشاف المشروع الكيزاني ليس سقوط أشخاص فحسب، وإنما سقوط الفكرة التي زعمت أن جماعة بعينها تحتكر الدين، وأن السلطة حق مكتسب لها، وأن مخالفيها أعداء لله أو للوطن، وأن الولاء للتنظيم يغني عن الكفاءة والنزاهة والمحاسبة.
حين تسقط هذه الأوهام، يبدأ المجتمع في استرداد حقه في التفكير، وفي التمييز بين الدين والتجارة باسمه، وبين الوطنية واحتكارها، وبين الدولة والتنظيم، وبين الطاعة العمياء والمسؤولية الأخلاقية.
وهنا تتجلى قيمة البشارة التي حملها الأستاذ محمود محمد طه. فالاقتلاع الحقيقي ليس مجرد خروج جماعة من الحكم؛ إنه اقتلاع لجذور الاستبداد من الوعي، ولثقافة الإفلات من العقاب من مؤسسات الدولة، وللوهم القائل إن الكذب إذا طال عمره صار حقيقة، وإن الباطل إذا تسلح بالشعارات المقدسة صار حقاً.
قد يهرب بعضهم اليوم، وقد يتبرأ آخرون غداً، وقد يرفع بعضهم شعارات لم يكن يسمح بارتفاعها بالأمس. لكن التاريخ لا يُكتب بآخر بيان يصدره المرء عن نفسه؛ بل بما فعل، وما أيد، وما برر، وما ترتب على مواقفه من أذى للناس والبلاد.
فهل هروبكم من المركب يعفيكم من المساءلة القانونية والأخلاقية عما دمّرتموه؟
كلا، ليس بمجرد الهروب. فالمساءلة تُحسم بالأدلة والقانون، أما المسؤولية الأخلاقية فلا يمحوها تبديل الشعارات، ولا يغسلها تغيير المواقع.
ولعل أكثر ما ينبغي أن يقلق الذين يتسابقون الآن إلى قوارب النجاة، أنهم لا يهربون من سفينة فحسب؛ بل من ذاكرة شعب عرفهم في أيام القوة، ويراقبهم في أيام الانكسار.
لقد آن أوان أن يفهم الجميع أن السلطة عارية من القداسة، وأن الدين أرفع من أن يكون غطاءً للفساد، وأن حقوق الناس ليست أوراقاً في مساومات السياسيين، وأن السودان أكبر من أي تنظيم، وأبقى من أي جماعة، وأحق بالحياة من كل المشاريع التي أرادت أن تختصره في نفسها.
وسوف يقتلعون من الأرض اقتلاعاً؛ لا لأن التاريخ ينتقم، بل لأن الأوهام لا تستطيع إلى الأبد أن تحل محل الحقائق، ولأن الشعوب، مهما أثقلها القهر، لا تفقد إلى الأبد قدرتها على التمييز بين من يخدمها ومن يتخذها سلّماً إلى سلطانه.
أما أنتم، يا من بدأتم القفز من المركب، فالباب إلى مراجعة النفس مفتوح، لكن أبواب المحاسبة لا ينبغي أن تُغلق.
فالسفينة قد تغرق، والركاب قد ينجون، لكن حطامها سيظل شاهداً على من قادها إلى الغرق.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.