من مداهمة مصنع حِلَل التامبل باي -حلة العصيدة- إلى حظر الفول المصري، تتوالى القرارات التي تجعل المرء يتساءل: أهذه الدولة تحارب مليشيا، وتُنجب مليشيات، وتُنتج الفقر، ثم تحارب الفقراء؟
فبينما تعجّ الأسواق بأواني التيفال المقلدة والمغشوشة، ذات الطلاء مجهول المصدر، تداهم السلطات الأمنية مصنعًا محليًا لحِلَل التامبل باي بدعوى حماية صحة المواطن. فإذا كانت الحجة هي حماية صحة الناس وسلامتهم، فأين الرقابة على أواني الطهي المستوردة ذات الطلاء المجهول؟
ولِمَ لا ننظر إلى النصف الممتلئ من الكوب؟ فبدلًا من الاكتفاء بمداهمة هذه الورش وإغلاقها، لماذا لا تبادر هيئة المواصفات والمقاييس إلى تنظيم ورش تدريبية للعاملين فيها، لتعريفهم بالمواصفات المطلوبة واشتراطات التصنيع الآمن؟ ولماذا لا تقدم الجهات المختصة التدريب والإرشاد اللازمين للاستفادة من خبرة هذه المصانع في إعادة تدوير المخلفات، وتوجيهها نحو استخدامات آمنة ومفيدة، بدلًا من أن تصبح مصدرًا للتلوث؟
وبينما تعجّ الأسواق بكراتين التفاح والكمثرى والدراق المستورد، يُحظر الفول المصري! فهل أصبح الفول من الكماليات، أم صار التفاح من الضروريات في زمن الحرب؟
خرج علينا وزير الزراعة والري، عصمت قرشي، موضحًا أن وزارته أوقفت إصدار شهادات عدم الممانعة لاستيراد الفول. لكن أين الأرقام التي تبرر هذا القرار؟ كان يمكن أن يكون حديث الوزير أكثر إقناعًا لو استند إلى بيانات واضحة عن الإنتاج المحلي والاستهلاك والمخزون والفجوة بين العرض والطلب والقدرة الشرائية. فمع ارتفاع أسعار اللحوم، يصبح الفول مصدرًا مهمًا للبروتين، ولا تكفي الإشارة إلى إنتاج موسم سابق لإثبات أن المحصول يغطي احتياجات الناس الحالية، خصوصًا أن سعر الفول المحلي، بالرغم من جودته، قد يقارب ضعف سعر الفول المستورد من إثيوبيا. وفي زمن الحرب، لا تختار الأسر دائمًا الأجود، بل ما تستطيع شراءه.
نحو عشرة ملايين دولار هي قيمة صادرات إثيوبيا المسجلة إلى السودان من الفول العريض المجفف في عام 2023م. مبلغ يعادل، وفق تقديرات منشورة، سعر طائرتين من مسيّرات (بيرقدار TB2)! فحين يتعلق الأمر بالتسليح، تُرصد الملايين بسخاء، وحين يتعلق الأمر بصحن فول السودانيين، يصبح توفير النقد الأجنبي وتشجيع الإنتاج المحلي حجة للحظر!
فهل نشجّع الإنتاج المحلي فعلًا، أم نحرم المستهلك من الخيار الأقل كلفة؟ أم أن وراء هذه القرارات (طابورًا) ينفّذ الخطة باء لزيادة معاناة المواطنين؟
منشن:
وزير الزراعة والري
هيئة المواصفات والمقاييس
وزارة الصناعة والتجارة
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.