من يوقف صواريخ الموت فوق رؤوس المعدّنين؟

بقلم: يوسف عزالدين

 

ضاقت بهم الأرض في المدن، فذهبوا إلى الصحراء.

 

لم يذهبوا بحثًا عن ترف، بل بحثًا عن لقمة عيش تحفظ كرامتهم، بعد أن أغلقت الحرب كل الأبواب.

 

هم «الجنقو» و«الدهابة»، أبناء السودان المنسيون في صحاري الشمال ونهر النيل ودارفور.

 

تركوا الجامعات والمدارس والوظائف، وحملوا الطورية والكوريك، وحفروا بأيديهم أنفاقًا في باطن الأرض. يشربون ماءً عكرًا، وينامون تحت شمس تحرق جلودهم، وفي أجواء يعلوها الغبار.

 

لم يسرقوا، ولم ينهبوا، بل أسّسوا لأنفسهم حياة من العدم، بأبسط مقومات الحياة: لا كهرباء، ولا مستشفى، ولا مدرسة.

 

فكانت النتيجة ماذا؟

 

أن يُحكم عليهم بالموت من السماء.

 

صواريخ تتساقط فوق رؤوسهم، وهم لا يملكون مضادات أرضية، ولا أجهزة كشف مبكر، ولا حتى خيمة تحميهم.

 

أنفاقهم التي حفروها طلبًا للرزق أصبحت قبورًا تغمرهم، وسيول الصحراء تبتلعهم، ولا أحد يسمع صراخهم.

 

نسأل بمرارة: ماذا فعل هؤلاء؟

 

هل هم جناة؟

 

إن كانوا جناة، فأين محاكمتهم العادلة؟

 

وإن كانوا ضحايا، فأين العدالة؟

 

أين الحكومة السودانية مما يجري؟

 

أين وزارة المعادن التي تقبض رسومها من عرقهم؟

 

أين الدولة التي يجب أن تحمي أبناءها العُزّل؟

 

وأين الصمت الدولي المخزي؟

 

منظمات حقوق الإنسان التي تملأ الدنيا ضجيجًا، لماذا تصمت حين يتعلق الأمر بمعدّني السودان الفقراء؟

 

هل لأنهم فقراء، لا صوت لهم، ولا كاميرات تنقل معاناتهم؟

 

هؤلاء الشباب لم يحملوا سلاحًا ضد أحد؛ سلاحهم معول، وحلمهم غرام من الذهب يُطعم أسرهم في أم درمان أو الفاشر أو الجزيرة، حيث نزحوا.

 

اليوم يُقصفون، ويُقتلون جماعات، وتحترق أجسادهم في الخلاء، بلا بيان، ولا تحقيق، ولا حتى كلمة عزاء.

 

إن ما يحدث للمعدّنين والجنقو جريمة مكتملة الأركان: جريمة صمت، وجريمة إهمال، وجريمة استهداف مباشر لفئة أفنت عمرها في خدمة اقتصاد هذا البلد.

 

نحن في «عين الحقيقة» نضع هذا الملف أمام الضمير الإنساني الحي، وأمام كل مسؤول سوداني، وأمام كل منظمة دولية.

 

أوقفوا قتل المعدّنين.. هؤلاء ليسوا جناة، بل ضحايا وطن ضاقت به الأرض، فلم يجدوا إلا الصحراء، فضاقت بهم الصحراء أيضًا.

 

العدالة للمعدّنين.. قبل أن تبتلعهم الرمال والصواريخ معًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.