ليست مصر بالضرورة الوجهة التي ينبغي أن يتجه إليها السودانيون في أوقات السلم والحرب دون مراجعة تاريخ العلاقة بين البلدين، واستحضار ما شهدته من محطات مؤلمة وأسئلة لا تزال معلّقة. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى على الشعارات وحدها، ولا يكفي وصف شعبين بالشقيقين لتجاوز صفحات التاريخ أو التغاضي عن الوقائع التي تستحق النقاش والمساءلة.
إن قراءة التاريخ السوداني تضع أمامنا أسئلة صعبة بشأن الدور المصري في محطات مفصلية من مسيرة الدولة السودانية، بدءاً من مرحلة الحكم الثنائي والاستعمار، مروراً بعلاقات القاهرة بالأنظمة السياسية والعسكرية التي تعاقبت على حكم السودان، وصولاً إلى الخلافات الحدودية والسياسية التي لا تزال تلقي بظلالها على العلاقة بين البلدين.
ولعل واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في الذاكرة السودانية أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي عام 1970، حين واجه نظام جعفر نميري الأنصار وحزب الأمة بالقوة العسكرية، وسقط ضحايا سودانيون في واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ البلاد الحديث. وقد ارتبطت تلك الأحداث، في الذاكرة السياسية السودانية، بنقاشات واسعة حول طبيعة العلاقة بين نظام نميري والقاهرة آنذاك، وحول حدود التأثير المصري في السياسة السودانية. وهي أسئلة تستحق البحث والتوثيق، بعيداً عن إطلاق الاتهامات دون أدلة محددة.
ولا تقف الخلافات عند حدود التاريخ السياسي؛ فملف حلايب وشلاتين يمثل واحداً من أبرز ملفات النزاع بين البلدين، في ظل تمسك السودان بموقفه بشأن السيادة على المنطقة، واستمرار الخلاف حول الحدود والإدارة الفعلية لها.
أما التطورات الراهنة، وما أُثير بشأن سقوط ضحايا سودانيين في ضربات جوية بمناطق التعدين شمال السودان، فتفتح الباب مجدداً أمام أسئلة جوهرية تتعلق بحماية المواطنين السودانيين، واحترام سيادة البلاد، وضرورة كشف ملابسات أي حادث تتورط فيه جهة خارجية، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى معلومات موثوقة وتحقيقات مستقلة.
فإذا صحت التقارير المتداولة عن سقوط قتلى وجرحى سودانيين في هذه الضربات، فإن الأمر لا ينبغي أن يمر باعتباره خبراً عابراً؛ بل يستوجب توضيحاً رسمياً، وتحقيقاً شفافاً، ومساءلة قانونية وفقاً لما تكشفه الأدلة. فحياة السودانيين ليست تفصيلاً هامشياً في حسابات السياسة الإقليمية، ولا يجوز أن تصبح أرواحهم ثمناً لعلاقات تحكمها المصالح وحدها.
إن المشكلة ليست في الشعب المصري، ولا في حق السودانيين والمصريين في التعايش والتعاون، وإنما في ضرورة الفصل بين الشعوب وسياسات الحكومات. فالشعوب لا ينبغي أن تتحمل وزر قرارات الأنظمة، كما أن الروابط التاريخية والثقافية لا تعني إعفاء الحكومات من المساءلة عن أفعالها.
ومن هنا، فإن المطلوب من السودانيين هو التعامل مع العلاقة المصرية السودانية بوعي تاريخي وسياسي، لا بالعداء المطلق ولا بالثقة غير المشروطة. فالمصالح الوطنية تحتاج إلى قراءة دقيقة لموازين القوى، ومراجعة الاتفاقيات، وحماية الحقوق، وتوثيق الانتهاكات، ومطالبة المؤسسات الرسمية باتخاذ مواقف واضحة كلما تعرض المواطن السوداني للضرر.
إن التاريخ لا يُستدعى لتغذية الكراهية، وإنما لفهم الحاضر وتجنب تكرار الأخطاء. وإذا كانت العلاقة بين السودان ومصر ستستمر بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، فإن استدامتها الحقيقية لا يمكن أن تقوم على المجاملات السياسية وحدها، بل على الاحترام المتبادل، والندية، والشفافية، وعدم المساس بسيادة السودان وكرامة مواطنيه.
فالشعوب قد تتجاوز جراح الماضي، لكنها لا تستطيع بناء مستقبل مستقر إذا طُلب منها أن تنسى أسئلة الحاضر قبل أن تجد إجاباتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.