حادث أليم!!

صباح محمد الحسن

إن القول بـ”ضرورة التعامل مع الحادث بجدية وكشف الحقائق وحماية الحدود” يضع المجلس الانقلابي أمام تساؤل أخلاقي جارح: هل يخاطب المجلس نفسه بوصفه الطرف الذي يتعامل باستهتار بالغ مع أرواح مواطنيه؟!

 

طيف أول:
لعلك في القبر تجد الأمان،
يا من رحيله كشف كم عدد الموتى وهم على قيد الحياة!!

وكالعادة، جاء بيان المجلس الانقلابي بشكله المتوقع: هزيلاً كحكومة البرهان، وضعيفاً كقراراته المخيبة للآمال، وعاكساً لخنوعه وخذلانه المستمر لشعبه، ومريباً وضبابياً كموقف أنصاره وإعلامه. فعوضاً عن إدانة صريحة وواضحة لجريمة بشعة هزت ضمير الإنسانية، اختار المجلس وصف ما جرى لعدد من المعدّنين السودانيين في المنطقة الحدودية مع جمهورية مصر العربية بـ”الحادث الأليم”، وكأن البرهان وهو في طريقه إلى شندي مرّ بـ”حادث مروري عابر” فأسف لما حدث.
فكيف لدولة ذات سيادة أن تسمح لدخول طيران أجنبي لاختراق أجواءها وهي تعرف وجهته دون أدنى رد فعل حازم؟!
إن اختراق الأجواء السودانية وقصف المواطنين الأبرياء يُعد عدواناً سافراً تقتضي الأعراف الدبلوماسية إزاءه قطع العلاقات، أو اتخاذ إجراءات تصعيدية صارمة.
فلا مجال هنا للحديث عن “ملابسات” أو تشكيل “لجان لتقصي الحقائق” تضم النيابة والجهات الأمنية؛ فالواقعة واضحة وقطعية، والطرف الآخر لم ينفِ فعله بل ربما يصر عليه
إن تشكيل اللجان في قضايا انتهاك السيادة الوطنية وإهدار الأرواح ليس سوى محاولة لتمييع القضية وتفريغها من مضمونها.
عن أي حماية للكرامة يتحدث المجلس؟
هل تأتي الحماية بعد الموت وهل يُراد للمواطن السوداني أن يصون كرامته داخل القبر؟
إن القول بـ”ضرورة التعامل مع الحادث بجدية وكشف الحقائق وحماية الحدود” يضع المجلس أمام تساؤل أخلاقي جارح: هل يخاطب المجلس نفسه بوصفه الطرف الذي يتعامل باستهتار بالغ مع أرواح مواطنيه؟!
والأنكى من ذلك هو الحديث عن تواصل مستمر بين قيادة البلدين “لضمان الحفاظ على علاقة الشعبين”. أي عار هذا؟! وأي شكل للتواصل ذاك الذي يُجرى مع دولة تقصف مواطنيك بالطيران؟! كيف يتحدث المجلس عن حرصه على الحفاظ على العلاقات الثنائية متجاهلاً دماء الشعب التي أُريقت هدراً على الرمال؟!
وفي السياق ذاته، يبرز التناقض الصارخ لصمت الإعلام الموالي للنظام إذ سكت صوت النواح وانقطعت أصوات الشتائم، وتلك الأبواق التي طالما وزّعت صكوك الوطنية والشرف والأخلاق “بلعت لسانها”. لم تظهر على القنوات، ولم تفتح البثوث المباشرة للحديث عن خيانة دماء المواطنين، ولا عن انهيار رابطة الجيش العميقة بشعبه التي تبخرت في لحظة.
كيف تصمت الدولة ومجلس سيادتها وإعلامها عن مقتل العشرات من المواطنين؟
وما هو المقابل لهذا الصمت المخزي؟ هل تم بيع الأراضي السودانية وأصبح الذهب والمعادن التي ينقب فيها المواطن باحثاً عن لقمة العيش ملكاً لغير أبناء الوطن، وأصبح يُعامل السودانيون كاللصوص في أرضهم
إن الترويج لفرية “تجاوز الحدود” كمبرر للجريمة هو كذبة وجريمة فحتى لو صحّ جدلاً، وهو افتراء محض لا يبرر بأي حال من الأحوال استهداف المواطنين بالطيران الحربي وإبادتهم بهذه الوحشية
حتى أن بعض الذين صرحوا للقنوات من العسكريين دون حياء قالوا إن الذين قتلوا من النيجر ليؤكدوا فعلاً أن السلطة الحاكمة تسعى لطمث الحقيقة ولاتسعى لكشفها

لذلك نكرر أن المنظمات الوطنية والحقوقية والقوى السياسية ليس أمامها سوى صياغة مذكرة شكوى لمجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن، والمطالبة بلجنة تقصي حقائق دولية. فكيف يشكل البرهان لجنة بالتنسيق مع طرف متهم؟!
طيف أخير:
#لا_للحرب
قالت “الشرق” إن الجيش المصري أعلن أمس استمرار تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة الموسعة لمواجهة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، فيما أمر رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بتشكيل لجنة للتحقيق في حادثة أودت بحياة منقبين في المنطقة الحدودية بين البلدين.

وهذا إعتراف رسمي أنه نفذ الأولى والثانية !!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.