أخطر ما يهدد بقاء الدولة السودانية اليوم هو عبد الفتاح البرهان وزمرته من الحركة الإسلامية، الذين أوصلوا البلاد إلى حافة الانهيار، ثم نصبوا أنفسهم حراسًا للسيادة والكرامة الوطنية، في واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في تاريخ السودان الحديث.
يا عبد الفتاح البرهان، جئتَ بانقلاب تحت ذريعة حماية البلاد من التفكك، ثم قُدتَ السودان إلى حرب مزقت مجتمعه، وبددت أمنه، ودفعت بملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، وهددت وحدة ترابه، وبعد ذلك رفعتَ شعار «حرب الكرامة»، وكأن تغيير اسم الحرب قادر على إخفاء نتائجها، وكأن السودانيين لا يرون ما حل ببلادهم ولا يعرفون حجم المأساة التي يعيشونها.
أي كرامة هذه التي تتحدث عنها، بينما السودانيون يتعرضون للإذلال خارج وطنهم، ويواجهون الخوف والموت داخل بلادهم، وتلاحقهم المآسي على ضفتي وادي النيل؟ أي كرامة بقيت لإنسان يغادر وطنه هربًا من الحرب، ثم يدخل في رحلة جديدة من العذاب بحثًا عن الأمان، حاملًا معه خوفه على أسرته وقلقه على مستقبل أبنائه؟
لقد جعلتَ من معاناة السودانيين خلفيةً لخطابك السياسي، ومن آلامهم مادةً لشعاراتك العسكرية. يعيش المواطنون نتائج قراراتك، من فقدان المأوى ومصادر الرزق إلى النزوح واللجوء، بينما تواصل أنت تسويق الحرب باعتبارها معركةً لاستعادة الكرامة. أي استخفاف بمعاناة الناس أكبر من أن تطالبهم بالاحتفاء بشعار تناقضه حياتهم اليومية؟
أما السيادة التي تتشدق بها، فقد أصبحت محاطةً باتهامات وأسئلة خطيرة بشأن التدخلات الخارجية، بما فيها الاتهامات المتعلقة بالدور المصري والضربات التي استهدفت مسيّرات وطائرات حربية داخل الأراضي السودانية. وهذه ملفات لا يمكن تجاوزها باللجان الصورية أو حسمها بالشائعات، كما لا يجوز إغلاقها بالإنكار أو المراوغة؛ فهي تتصل بأمن البلاد واستقلال قرارها، وما نحتاجه الآن هو إثبات الضد لقناعاتنا بأنكم عملاء لا صلة لكم بتراب هذا الوطن إلا هوياته التي تحملونها، والمفارقة أن خطابك يرفع السيادة إلى مرتبة المقدسات، بينما يعيش السودان حربًا تتداخل فيها المصالح الخارجية، ويتحمل مواطنوه نتائج عجز السلطة عن توفير الأمن والاستقرار.
السيادة ليست لافتةً تُرفع فوق أنقاض الوطن، والكرامة ليست شعارًا عسكريًا، والوطنية ليست امتيازًا تمنحه لنفسك كلما أردتَ إسكات منتقديك. ومن حق السودانيين رفض تحويل هذه المفاهيم إلى غطاء سياسي لحرب يدفعون ثمنها من حياتهم ومستقبلهم.
ولا يمكن فصل هذه الكارثة عن الحركة الإسلامية وشبكات النظام القديم التي تسعى إلى استعادة نفوذها داخل الدولة. فمن وجهة نظري، تمثل الحرب فرصةً لهذه الشبكات لإعادة إنتاج مشروعها السياسي عبر المؤسسة العسكرية، وإبقاء القرار الوطني أسيرًا لتحالفات ومصالح حزبية. لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا لعقود من تسييس مؤسسات الدولة وإخضاعها لمشروع التنظيم، واليوم تتواصل الأزمة في ظل تداخل الولاءات السياسية والعسكرية، بما يضع مستقبل الدولة نفسها أمام خطر حقيقي.
وما نراه اليوم لا يمكن التعامل معه باعتباره أزمة عسكرية منفصلة عن السياسة؛ فالمؤسسة العسكرية التي يُفترض أن تخضع لسلطة الدولة والقانون أصبحت في قلب الصراع على الحكم. إن استمرار نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وتداخل الولاءات الحزبية مع القرار العسكري، يهددان فرص بناء جيش وطني مهني يخضع لسلطة مدنية، ويحمي المواطنين بدلًا من أن يصبح أداةً في صراع السلطة.
يا برهان، لا تستطيع أن تختبئ خلف اسم الجيش كلما واجهتَ النقد، ولا أن تجعل الاعتراض على قراراتك عداءً للوطن. أنت مسؤول عن انقلابك وقراراتك السياسية والعسكرية، وعن الدور الذي أدته قيادتك في إيصال البلاد إلى هذا المأزق. ولا تمنحك الرتبة العسكرية حصانةً من المساءلة، كما لا تمنحك الشعارات حق احتكار الوطنية أو مصادرة أصوات السودانيين الذين يرفضون الحرب ويدفعون ثمنها.
لقد أوردتَ السودان مورد الهلاك، وحرّفتَ مساره بعيدًا عن الانتقال المدني، ودفعتَ به إلى حرب استنزفت موارده، ومزقت مجتمعه، وهددت مستقبله. ثم عدتَ تخاطب الشعب بالشعارات ذاتها التي استخدمتها لتبرير قراراتك، كأن الكلمات قادرة على محو ما فعلته الحرب بالناس، أو كأن رفع شعار الكرامة يعفي من المسؤولية عن إهانة أصحابها.
يا عبد الفتاح البرهان، ستبقى صورتك السياسية مرتبطة بقائد دمّر بلاده وحرّف مسارها. هذه حصيلة قراراتك، وهذا ثمن انقلابك وحربك، ولن تغيّرها الخطب العسكرية ولا الشعارات الوطنية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.