اقتصاد الحرب في السودان: شبكات تمويل الكيزان ومسارات التسليح الإقليمي هل يكفي حظر الأسلحة؟

أواب عزام البوشي

لم يعد النزاع في السودان، الذي دخل عامه الرابع، مجرد صراع عسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فقد تحوّل إلى نموذج متكامل من “اقتصاد الحرب”، حيث تتداخل شبكات التهريب وغسل الأموال والتمويل غير المشروع مع مسارات القتال، لتُنتج نظاماً قائماً بذاته تتغذى فيه الحرب على مواردها الخاصة وتُعيد إنتاج نفسها باستمرار. ويحلّل هذا المقال البنية الاقتصادية التي تُغذي الجيش السوداني على وجه التحديد، عبر تتبع شبكات تمويله الداخلية والخارجية من جهة، ومسارات التسليح الإقليمية من جهة أخرى، ثم يقيّم فعالية العقوبات الدولية وحظر الأسلحة في كسر هذه الدورة.

 

أولاً: الذهب شريان التمويل الرئيسي للجيش

 

يُشكّل الذهب العمود الفقري لاقتصاد الحرب السوداني، وهو المصدر الرئيسي الذي يموّل العمليات العسكرية للجيش. فالسودان من أكبر خمس دول منتجة للذهب في إفريقيا، غير أن هذه الثروة لا تصل إلى خزينة الدولة بالكامل. وفي عام 2025، لم تُصدَّر سوى 20 طناً فقط عبر القنوات الرسمية، بينما تُهرَّب الكميات المتبقية عبر شبكات غير مشروعة. وتُقدَّر خسائر السودان من تهريب الذهب خلال العقد الماضي بما لا يقل عن 23 مليار دولار، وقد تصل إلى 36.8 مليار دولار.

 

وتُدير هذه التدفقات شبكة من الشركات المملوكة للجيش أو المرتبطة به. وفي يوليو 2026، فرضت بريطانيا عقوبات على ثلاث شركات تعدين سودانية مملوكة للدولة قالت إنها مرتبطة بتمويل الجيش: شركة أم درمان للتعدين، وشركة أرياب للتعدين، وشركة «سودامين المحدودة». كما طالت العقوبات أحمد عبدالله، وهو مسؤول مشتريات مرتبط بالجيش السوداني يُشتبه بتورطه في تأمين الأسلحة والمعدات والتمويل للجيش. وتُعدّ شركة “زادنا العالمية للاستثمار”، المملوكة للجيش، أكبر مصدر دخل للقوات المسلحة السودانية، وهي متهمة باستخدام عائداتها في غسل الأموال وتمويل العمليات العسكرية.

 

ثانياً: شبكات التمويل الخارجية تركيا كمركز مالي

 

لم تكن عمليات تمويل الجيش السوداني محصورة داخل الحدود. فقد كشفت لائحة اتهام أمريكية رُفعت في مايو 2026 عن شبكة معقدة استُخدمت فيها الأراضي التركية كمركز مالي ولوجستي رئيسي لتسهيل صفقات أسلحة سرية لصالح الجيش السوداني، في انتهاك مباشر للعقوبات الدولية.

 

وتشير اللائحة إلى أن الشبكة اعتمدت على بنوك وشركات صرافة تركية لتحويل أموال مرتبطة بعقود تسليح ضخمة شملت 240 مليون طلقة ذخيرة لبنادق كلاشينكوف، بقيمة تجاوزت 100 مليون دولار. وفي إحدى الحالات، أوعزت الوسيطة الإيرانية شميم مافي إلى نظرائها السودانيين بإجراء المدفوعات “نقداً” عبر أنظمة الصرافة التركية نظراً لحساسية العقوبات. كما زُوّد ممثلون سودانيون ببيانات شركة صرافة تركية لاستلام نحو 2.7 مليون دولار مرتبطة بعقد لتوريد طائرات مهاجر-6 المسلحة.

 

وتتجاوز الشبكة تركيا لتشمل ولايات قضائية أخرى. فقد أشارت تقارير إلى أن “تركيا، ماليزيا، وسويسرا تمثل الأموال المهربة إلى الخارج ‘الخزان الاستراتيجي’ للحركة الإسلامية”، مما يضع هذه الدول في مأزق قانوني بعد تصنيف الحركة الإسلامية كمنظمة إرهابية في مارس 2026. ويُعتقد أن هذه الشبكات استُخدمت خلال الحرب لتأمين الوقود والمركبات ووسائل الاتصال ونقل الأموال إلى الأذرع الإسلامية المرتبطة بالجيش.

 

ثالثاً: مسارات التسليح إيران وتركيا

 

لم تكن الحرب السودانية معزولة عن الإمدادات الخارجية. فبحسب تحليلات معهد RUSI، تلقّى الجيش السوداني تدفقاً من الطائرات الإيرانية المسيّرة والذخائر الروسية، إضافة إلى مبيعات من شركات أسلحة تركية تُقدَّر بنحو 120 مليون دولار، تشمل طائرات مسيّرة ورؤوس حربية مختلفة.

 

فعلى الجبهة الإيرانية، بدأت طهران عقب استعادة العلاقات مع الخرطوم بتزويد الجيش السوداني بطائرات “مهاجر-6” المسيّرة وذخائر وأنظمة رادار، إلى جانب إرسال عناصر من الحرس الثوري الإيراني للعمل مدربين ومشغلين للمنظومات العسكرية. ولم يمر الدعم الإيراني عبر المؤسسات العسكرية السودانية وحدها، بل من خلال تنظيم نافذ داخل الجيش يرتبط بعناصر الإخوان، احتفظ بمواقع مؤثرة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية بعد سقوط النظام في عام 2019. واستفاد هذا الفصيل من وجود شخصيات إخوانية احتفظت بمناصب عليا داخل القوات المسلحة، ومن بينها ميرغني إدريس سليمان، الذي يرأس شركة الصناعات الدفاعية الحكومية، والذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في أكتوبر 2024 لدوره في مشتريات الجيش من الأسلحة، بما في ذلك من إيران.

 

وفي تطور لافت، دخل الحوثيون على خط العلاقة كشركاء لإيران، حيث أفادت التقارير بنقلهم ما لا يقل عن ثلاث شحنات من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الجيش السوداني نيابة عن طهران. كما تشير الدراسة إلى وجود عناصر حوثية في بورتسودان يستخدمونها كمركز نقل ولوجستي ومالي، مع انتقال الأسلحة والأفراد في الاتجاهين عبر البحر الأحمر.

 

أما على الجبهة التركية، فقد وقّعت شركة “بايكار” التركية عقوداً مع الجيش السوداني بقيمة تفوق 120 مليون دولار، شملت مسيّرات بيرقدار TB2 ورؤوس حربية ومحطات تحكم. ووصلت أولى الشحنات عبر ميناء بورتسودان منتصف 2023، واستُخدمت الطائرات لاحقاً في معارك الجزيرة والخرطوم وكردفان، ما أدى إلى خسائر واسعة بين المدنيين. كما كشفت تقارير عن صفقة عسكرية غامضة مع باكستان تضمنت طائرات تدريب قتالي، مسيّرات، ومنظومات دفاع جوي، وُقعت خلال زيارة قائد القوات الجوية السودانية إلى إسلام آباد.

 

رابعاً: فعالية حظر الأسلحة العقوبات بين النص والتطبيق

 

في سبتمبر 2026، فشل مجلس الأمن الدولي في توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور منذ 2004 ليشمل كامل الأراضي السودانية، بعد معارضة دول داعمة للجيش السوداني. واكتفى المجلس بتمديد العقوبات بموجب القرار 1591 لمدة شهر واحد حتى 9 أكتوبر 2026، مع الإبقاء على النطاق الجغرافي للحظر مقتصراً على إقليم دارفور.

 

وتكمن المشكلة الأعمق في أن الحظر الحالي لا يُنفَّذ فعلياً. فحتى على المستوى أحادي الجانب، فإن فعالية العقوبات محدودة. وقد أظهرت تقارير أن “نظام الصناعات الدفاعية” السوداني (مصاد)، أكبر مؤسسة دفاعية في البلاد والخاضعة لعقوبات غربية، لا يزال يستخدم شبكة من الشركات التابعة للحصول على مكونات ذخيرة من الهند تمكّنه من إنتاج الأسلحة محلياً. وهذا يعني أن الحرب، حتى في ظل العقوبات، قادرة على إعادة إنتاج قدراتها العسكرية.

 

وقد أدركت الحركة الإسلامية تكلفة العقوبات مسبقاً، فبادرت إلى نقل ثرواتها إلى الظل وبناء مسارات مالية بديلة منذ سنوات العقوبات الأولى. وحين يُضاف إلى ذلك أن حظر الأسلحة الحالي محدود جغرافياً وغير مُنفَّذ، وأن بعض الدول الفاعلة في النزاع أعضاء في مجلس الأمن نفسه، يتضح أن العقوبات وحدها مهما اشتدت لا تستطيع كسر شوكة هذه المنظومة.

 

لماذا لا يكفي حظر الأسلحة؟

 

يُظهر التحليل أن اقتصاد الحرب السوداني ليس نظاماً هامشياً يمكن تفكيكه بعقوبات محدودة أو حظر أسلحة جزئي. فهو نظام متشابك مع الدولة العميقة والحركة الإسلامية والجيش وشبكات التجارة الإقليمية والدولية. وتمتد شبكات التمويل من شركات التعدين المملوكة للجيش، إلى بنوك وشركات صرافة في تركيا وماليزيا وسويسرا، إلى مسارات تسليح إيرانية وتركية وباكستانية. وإن إنهاء الحرب يتطلب مقاربة تتجاوز حظر الأسلحة: تفكيك اقتصاد الظل عبر تتبع الملكية الحقيقية للشركات وملاحقة شبكات غسل الأموال، وقطع مسارات التهريب عبر ضغط دبلوماسي حقيقي على الدول المستضيف للواجهات المالية، وتجفيف منابع تمويل الحركة الإسلامية ليس فقط عبر العقوبات، بل عبر بناء منظومات دولية مضادة لتتبع الأموال غير المشروعة.

 

هل يمكن لأي حظر أسلحة، مهما اتسع نطاقه، أن يوقف حرباً يموّلها اقتصاد متجذّر في الدولة العميقة وشبكات مالية عابرة للحدود؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.