اتفاقية تعدين سرية في شمال الوادي: تفاصيل بزنس أسري بين مسؤولين سودانيين ومصريين واتهامات لقائد الجيش بالموافقة على قصف المعدّنين
مجاهد بشري
مصادر تكشف تفاصيل اتفاق تجاري خاص أُبرم في سبتمبر 2025، وتوزيع حصص غير معلنة بين شخصيات سياسية وأمنية ورجال أعمال من السودان ومصر، وتربط بين المصالح الاستثمارية في الذهب وقرار استخدام الطيران لإخلاء مناطق التعدين الأهلي، وسط تضارب في الروايات الرسمية بشأن شركة «ديب ميتالز».
كشفت مصادر مطلعة على ملفات التعدين في السودان عن تفاصيل ترتيبات تجارية خاصة بين أطراف سودانية ومصرية، قالت إنها تقف وراء اتفاقية لاستغلال الذهب في منطقة جبال شمال الوادي، وإن المصالح المرتبطة بها كانت عاملاً أساسياً في قرار إنهاء وجود المعدّنين الأهليين بالمنطقة باستخدام القوة العسكرية، وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها، فإن الاتفاق لم يكن مجرد مشروع استثماري تقليدي، وإنما ترتيباً تجارياً خاصاً وصفته المصادر بأنه «بزنس أسري»، تشارك فيه شخصيات نافذة من البلدين، من بينها قائد الجيش ورئيس انقلاب 25 أكتوبر 2021 في السودان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى جانب رجال أعمال ومسؤولين حكوميين وأمنيين.
وتشير المعلومات إلى أن الاتفاق أُبرم خارج الأطر المؤسسية المعتادة لإدارة الثروة المعدنية في السودان، رغم علم وزارة المعادن التابعة لحصة حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وفق ترتيبات اتفاق جوبا للسلام، بالتفاهمات المتعلقة بالمشروع، وتؤكد مصادر التحقيق أن نفي الوزارة اللاحق لتوقيع الاتفاق لم يكن نتيجة جهلها بما جرى، وإنما محاولة لحفظ ماء الوجه بعد انكشاف الترتيبات وإثارة الجدل بشأنها، وهي رواية تتعارض مع البيان الرسمي للوزارة الذي نفى وجود أي التزام تعاقدي، وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة في ضوء التطورات الدامية التي شهدتها منطقة شمال الوادي يوم السبت 10 أكتوبر 2026، عندما تعرضت مواقع التعدين الأهلي لغارات جوية أوقعت عشرات القتلى والجرحى، وسط شهادات ميدانية تتحدث عن حصيلة قد تصل إلى 200 قتيل أو تتجاوزها.
وبحسب مصادر التحقيق، بدأت الترتيبات الخاصة بالمشروع عقب تفاهم بين قائد الجيش السوداني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، جرى بموجبه الاتفاق على الدخول في استثمار مشترك لاستغلال أحد مربعات التعدين في جبال شمال الوادي، وتقول المصادر إن رجل الأعمال السوداني الراحل عمر النمير استُخدم واجهة تجارية للمشروع من الجانب السوداني، تحت إشراف المحامي حسن البرهان، شقيق قائد الجيش، بينما تولى رجل الأعمال المصري محمد جمال الجارحي تمثيل الطرف المصري، “ يذكر أن اول زيارة للبرهان بعد خروجه من البدروم، كانت لعمر النمير في القاهرة”، وأُبرم الاتفاق، وفقاً لهذه المعلومات، عبر شركة «ديب ميتالز للتعدين» بتاريخ 4 سبتمبر 2025.
وتكشف المصادر عن هيكل ملكية خاص تقول إنه يختلف عن الصورة المعلنة للشركة، إذ خُصصت نسبة 58.5% للجانب السوداني، موزعة بين عمر النمير وقائد الجيش وحسن البرهان ومبارك أردول، مقابل 41.5% للجانب المصري، موزعة بين محمد جمال الجارحي والرئيس عبد الفتاح السيسي ومدير المخابرات المصرية، وتصف المصادر هذه الحصص بأنها جزء من ترتيب تجاري غير معلن، جرى بعيداً عن آليات الرقابة المؤسسية المعتادة، بما يجعل تحديد المستفيدين الفعليين من المشروع، وطبيعة ملكيتهم المباشرة أو غير المباشرة، مسألة محورية في التحقيق.
وتتطابق بعض التفاصيل المتعلقة بتاريخ الاتفاق وأسماء الأطراف التجارية المعلنة مع معلومات منشورة في الصحافة المصرية والسودانية، ففي 4 سبتمبر 2025، نشرت صحيفة «البورصة» المصرية تقريراً عن توقيع محمد الجارحي، ممثلاً لشركة «ديب ميتالز»، اتفاقية استثمارية في قطاع التعدين السوداني بقيمة 277.3 مليون دولار، بالشراكة مع عمر النمير ومبارك أردول، وشملت المشروعات المعلنة الاستكشاف والإنتاج في ولايات الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل والقضارف، إلى جانب الاستحواذ على 85% من منجم «أركيديا»، وإنشاء مصنع لمعالجة مخلفات التعدين ومصفاة للذهب، ولا تحدد هذه التغطية بصورة مستقلة ما إذا كان مربع شمال الوادي الوارد في معلومات مصادرنا جزءاً من الامتيازات المعلنة. 
وفي اليوم التالي، 5 سبتمبر 2025، نشرت وكالة السودان للأنباء «سونا» خبراً عن مراسم توقيع جرت بفندق هيلتون القاهرة بحضور وزير المعادن نور الدائم محمد أحمد طه، ووصفت الاتفاق بأنه استثمار استراتيجي بين الوزارة وشركة «ديب ميتالز»، التي مثّلها عمر النمير بالشراكة مع محمد الجارحي، غير أن المفارقة ظهرت بعد ذلك بيوم واحد، عندما أصدرت وزارة المعادن بياناً رسمياً نفت فيه توقيع أي اتفاقية أو مذكرة تفاهم مع الشركة، وأكدت أنها لم تدخل في أي التزام تعاقدي أو قانوني تجاهها، وهو التناقض الذي تقول مصادر التحقيق إنه جاء في سياق محاولة الوزارة احتواء التداعيات السياسية والإعلامية للاتفاق بعد انكشافه، لا بسبب غياب علمها السابق بالتفاهمات. 
ويكتسب هذا التناقض أهمية إضافية بالنظر إلى أن وزارة المعادن، التي تتبع حصتها السياسية لحركة مناوي بموجب ترتيبات اتفاق جوبا للسلام، لم تكن بعيدة عن المشهد الذي سبق الإعلان عن الاتفاق، فقد تحدثت التغطية الرسمية نفسها عن حضور الوزير مراسم القاهرة، وعن تعاون الوزارة في تسهيل الإجراءات الإدارية والفنية والقانونية للمشروع، وهو ما يجعل نفيها اللاحق للتوقيع بحاجة إلى تفسير يميز بين العلم بالمفاوضات، والمشاركة في مراسم الإعلان، وإبرام عقد قانوني ملزم، وترى مصادر التحقيق أن الوزارة اختارت التنصل العلني من الاتفاق لحماية موقعها السياسي والمؤسسي بعد تصاعد الجدل حول طبيعة الصفقة والمستفيدين منها.
وفي بيانها المنشور آنذاك، ذكرت وزارة المعادن أن شركة «ديب ميتالز» أبدت رغبتها في الاستثمار، وأن أي نشاط ينبغي أن يخضع للضوابط القانونية المنظمة للاستثمار الوطني والأجنبي، كما نفت بصورة قاطعة توقيع اتفاق أو مذكرة تفاهم مع الشركة حتى تاريخ البيان، وأكدت عدم وجود التزام تعاقدي أو قانوني تجاهها، بينما أوردت تقارير اقتصادية أن محمد الجارحي يمتلك 47.5% من أسهم الشركة، وأن الحصة المتبقية تعود إلى شركاء سودانيين، وتختلف هذه النسب المعلنة عن هيكل الحصص الذي كشفته مصادر التحقيق، الأمر الذي يطرح سؤالاً بشأن وجود ترتيبات ملكية أخرى غير ظاهرة في السجلات والتصريحات العامة. 
وتزداد التساؤلات بشأن طبيعة الشركة وتركيبة ملكيتها مع ظهور معلومات صحفية استندت إلى بيانات منسوبة لسجل الشركات السوداني، إذ نشر موقع «الساقية برس» في 8 سبتمبر 2025 تقريراً أشار إلى تسجيل شركة «ديب ميتالز للتعدين المحدودة» بتاريخ 28 مايو 2025، برأسمال قدره 30 مليون جنيه سوداني، وذكر التقرير أن أسماء المؤسسين وأعضاء مجلس الإدارة الواردة في السجل لا تتطابق بالكامل مع الأسماء التي أُعلنت في الأخبار الصحفية عن الصفقة، كما أشار إلى عدم ظهور اسم محمد الجارحي في البيانات التي استند إليها، وهي معلومات تضيف بعداً جديداً إلى مسألة الفصل بين الملكية المسجلة قانونياً والمصالح الاقتصادية التي قد تُدار عبر ترتيبات أخرى.
وتقول مصادر التحقيق إن الأزمة الفعلية بدأت عندما اقترب موعد الشروع في العمليات الميدانية للمشروع، ووجد القائمون عليه أن منطقة الامتياز المستهدفة تضم أعداداً كبيرة من المعدّنين الأهليين الذين يمارسون نشاطهم في استخراج الذهب، ووفقاً للمعلومات المتاحة، أصبح وجود هؤلاء المعدّنين عقبة أمام تنفيذ الترتيبات الاستثمارية الخاصة، ما دفع الأطراف المعنية إلى بحث وسائل إخراجهم من المنطقة تمهيداً لبدء عمليات التعدين.
وتشير المصادر إلى أن المنطقة شهدت مواجهة سابقة قبل نحو ستة أشهر، شاركت فيها عناصر مصرية، ورافقتها حملة إعلامية وانتهت، بحسب إفاداتها، بمقتل ضابط مصري، وتقول إن تلك المواجهة كانت جزءاً من سلسلة محاولات السيطرة على مواقع التعدين وإبعاد العاملين الأهليين عنها، وتكتسب هذه الإفادة أهمية في ضوء التقارير المنشورة عن مواجهات حدودية سابقة وعمليات استهدفت المعدّنين خلال يونيو 2026، قبل أشهر من القصف الأخير، بما يشير إلى أن التوتر في المنطقة لم يبدأ مع أحداث أكتوبر، وإنما سبقته تطورات ميدانية وأمنية متراكمة.
وبحسب مصادرنا، فإن الجانب المصري استعجل معالجة وجود المعدّنين في المنطقة مع اقتراب موعد تنفيذ المشروع، وتضيف أن قائد الجيش، الذي لا يملك بمجرد موقعه العسكري والسياسي صلاحية مطلقة لإلغاء حقوق المعدّنين أو منعهم من ممارسة نشاط مشروع خارج الإجراءات القانونية المختصة، وافق على أن يتولى الجانب المصري حسم المسألة بالقوة، وتذهب المصادر إلى أن الموافقة شملت استخدام الطيران العسكري لإنهاء وجود المعدّنين الأهليين، وهي إفادة تضع قرار استخدام القوة وعلاقته بالمصالح التجارية الخاصة في صميم التحقيق.
وفي صباح السبت 10 أكتوبر 2026، تعرضت مواقع التعدين في منطقة شمال الوادي لغارات جوية أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا، وتحدث ناجون عن تحليق طائرات فوق المنطقة قبل تنفيذ ضربات استهدفت مواقع وجود المعدّنين، وأفادت تقارير طبية وحقوقية بمقتل عشرات المدنيين وإصابة آخرين، بينما تحدثت شهادات ناجين ومصادر ميدانية عن حصيلة تبلغ نحو 200 قتيل، وسط صعوبات كبيرة في الوصول إلى الجرحى وانتشال الضحايا، وتؤكد مصادر التحقيق أن الضربات استهدفت مواقع وجود المعدّنين الأهليين في المنطقة التي كانت محل الترتيبات الاستثمارية الخاصة.
وتنسب مصادر التحقيق تنفيذ القصف إلى طائرات حربية مصرية، وتربط العملية مباشرة بالترتيبات الخاصة بمشروع التعدين، كما وجهت مجموعات حقوقية سودانية اتهامات للطيران المصري بتنفيذ الهجمات داخل الأراضي السودانية، وتؤكد المصادر أن العلاقة بين الاتفاق التجاري والقصف لا تنحصر في مجرد التزامن بين مشروع تعدين ووجود معدّنين أهليين، بل تشمل، وفق روايتها، مشاورات وقرارات سبقت العملية العسكرية وانتهت بالموافقة على استخدام القوة لإخلاء المنطقة، وهي اتهامات تستلزم فحص أوامر العمليات والاتصالات التي سبقت الضربات لتحديد المسؤوليات المباشرة.
وتبرز هنا مسألة الاختصاص القانوني والسيادة على الأراضي السودانية، فحتى في الحالات التي توجد فيها مخالفات تتعلق بالتعدين أو نزاعات حول تراخيص الاستغلال، فإن معالجة هذه المخالفات تخضع للقوانين والإجراءات المختصة، ولا تمنح بذاتها مبرراً لقصف مواقع يعمل فيها مدنيون، كما أن وجود مصالح استثمارية لأطراف أجنبية داخل السودان لا يمنحها سلطة تنفيذ عمليات عسكرية ضد المواطنين، ويظل تحديد الوضع القانوني الدقيق لموقع شمال الوادي، وحدود الامتيازات الممنوحة، وطبيعة الأوامر التي سبقت الغارات، ضرورياً لتحديد المسؤوليات القانونية والمؤسسية.
وتثير المعلومات التي حصلنا عليها تساؤلات إضافية بشأن موقع حسن البرهان ومبارك أردول ضمن الترتيبات المنسوبة إلى الجانب السوداني، وطبيعة الدور الذي أداه عمر النمير في تأسيس المشروع وتمثيل مصالح أطراف أخرى، كما تثير تساؤلات مماثلة بشأن الحصص التي تنسبها المصادر إلى الرئيس المصري ومدير المخابرات المصرية، وما إذا كانت هذه المصالح، في حال ثبوتها، قد أثرت على القرارات الأمنية والعسكرية المتعلقة بمنطقة التعدين، وهي تفاصيل تستند إلى إفادات مصادر التحقيق، ولم تثبتها بصورة مستقلة السجلات المنشورة التي أمكن الاطلاع عليها.
أما على المستوى الرسمي، فقد أثار غياب موقف واضح من سلطة بورتسودان يحدد الجهة المسؤولة عن القصف خلال اليومين الأولين بعد الحادثة تساؤلات واسعة، وترى مصادر التحقيق أن تأخر الرد ارتبط بحساسية الترتيبات التجارية والسياسية التي سبقت العملية، وبالدور الذي تنسبه إلى قائد الجيش في الموافقة على معالجة وجود المعدّنين بالقوة، غير أن تطوراً مهماً وقع يوم الاثنين 12 أكتوبر، عندما أعلن مجلس السيادة التابع لسلطة بورتسودان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية المختصة، للتحقيق في ملابسات الحادث ورفع تقرير بنتائجه.
وأكد مجلس السيادة التابع لسلطة بورتسودان في بيانه أن القيادتين السودانية والمصرية ظلتا على تواصل منذ وقوع الحادث، لمعرفة ملابساته وحماية الأرواح والحفاظ على العلاقات بين البلدين، لكن البيان لم يحدد الجهة التي نفذت الغارات، ولم يقدم تفسيراً لطبيعة النشاط العسكري الذي شهدته المنطقة، أو يوضح ما إذا كانت هناك ترتيبات سابقة تتعلق بإخلاء مواقع التعدين، ويكتسب قرار تشكيل اللجنة أهمية خاصة بالنظر إلى أن قائد الجيش سبق أن أعلن في يونيو الماضي عزمه التحقيق في هجوم سابق على معدّنين في المنطقة، من دون إعلان نتائج ذلك التحقيق حتى الآن.
إن ما تكشفه معلومات هذا التحقيق، عند وضعه إلى جانب الأخبار المنشورة عن اتفاقية «ديب ميتالز» والنفي الرسمي الذي أعقبها، يرسم مساراً يستحق الفحص يبدأ بتفاهمات استثمارية في سبتمبر 2025، ويمر بنزاع محتمل حول السيطرة على مواقع التعدين الأهلي، ثم بمواجهات وعمليات عسكرية متكررة، وصولاً إلى القصف الذي شهدته شمال الوادي في أكتوبر 2026، ولا تثبت الوقائع المنشورة وحدها وجود علاقة سببية بين الاتفاق التجاري والضربات الجوية، لكن الإفادات الحصرية التي حصلنا عليها تضع هذه العلاقة في قلب الاتهامات التي ينبغي أن يتناولها أي تحقيق مستقل.
وتبقى القضية أكبر من مجرد خلاف على مربع تعدين أو نزاع حدودي، فهي تتعلق بكيفية إدارة الموارد الطبيعية السودانية، والجهات التي تملك سلطة منح امتيازات استغلالها، والرقابة على المصالح التجارية للمسؤولين، وحدود التعاون الأمني والعسكري مع الدول الأخرى، فضلاً عن المسؤولية عن حماية المواطنين المدنيين من استخدام القوة المميتة، كما تطرح أسئلة بشأن دور وزارة المعادن التابعة لحصة حركة مناوي في ترتيبات اتفاق جوبا، وحدود علمها بالمشروع، والأسباب التي دفعتها إلى إصدار نفي رسمي بعد الإعلان عن الاتفاق في القاهرة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.