الحركة الإسلامية تأكل أبناءها.. وزوجة القيادي الاسلامي ابو أنس تصفهم بالعبيد
بروفيسور عبد المنعم همت
في السادس عشر من أبريل 2016، ألقى جهاز الأمن والمخابرات العامة القبض على عمر الفاروق الطاهر المعروف بأبو أنس أو الجنرال وهو أحد القيادات الشبابية في الحركة الإسلامية السودانية ومن قيادات كتيبة براؤون. لم يكن الاعتقال وفقاً للرواية التي نشرتها زوجته السيدة ندى أحمد الطيب على صفحتها في فيسبوك، مجرد إجراء أمني عابر بل بدا جزءاً من خلافات داخلية عميقة أخذت تتجاوز حدود الاختلاف التنظيمي والفكري إلى تصفية الحسابات بين أبناء التنظيم الواحد.
وصفت ندى أحمد الطيب، وهي أيضاً من القيادات الإسلامية، اعتقال زوجها بأنه تم عبر (مكائد ودسائس بلطجية) . وهي عبارة تكشف عن حجم المرارة التي حملتها تجاه الطريقة التي جرى بها الاعتقال كما تفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الصراع الذي كان يدور داخل الحركة الإسلامية في هذه المرحلة.
فما الذي يجعل جهازاً أمنياً يعتقل واحداً من القيادات الشبابية المحسوبة على التيار الإسلامي؟ وهل كانت المسألة متصلة بمواقف فكرية وتنظيمية، أم أن الصراع داخل الحركة بلغ مرحلة أصبح فيها الاختلاف مدخلاً للاتهام والعزل والاعتقال؟
تتحدث المعلومات التي تحصلنا عليها عن خلافات تنظيمية وفكرية، من بينها اتهامات تتعلق بوجود علاقات تنظيمية لأبو أنس مع الحوثيين. كما تنقل عنه موقفاً سياسياً عبّر فيه عن اختلافه مع بعض الأطراف، عندما كتب تعليقاً على حدث سياسي ورد فيه ذكر مصر وليبيا، قائلاً: (الصهاينة العرب أخطر على الأمة من هؤلاء اليهود).
هذه العبارة تعكس موقفاً سياسياً ويثير سؤالاً حول حدود الاختلاف المسموح به داخل التنظيمات التي ترفع شعارات الوحدة الفكرية والعقائدية.
الحركات التسلاميو، حين تتسع خلافاتها، تجد نفسها أمام اختبار حقيقي. فإما أن تقبل التعدد داخلها وتتيح لأعضائها التعبير عن آرائهم ومراجعة مواقف قياداتها وإما أن تتحول الخلافات إلى معارك نفوذ، يصبح فيها الخصم الداخلي أشد خطراً في نظر بعض المتصارعين من الخصم الخارجي وهنا نذكر مفاصلة رمضان والزج بشيخهم الترابي في السجن وحادثة اغتيال الصحفي الاسلامي محمد طه محمد أحمد واغتيال مهند ، قائد العمل الخاص ببراؤون و كمال عبد الله هارون .
وفي الحالة التي تتحدث عنها السيدة ندى أحمد الطيب، تبرز مفارقة تستحق التأمل. فالحركة الإسلامية التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها جماعة ذات روابط عقائدية وتنظيمية متينة، تظهر في هذه الرواية أمام صورة مختلفة، عنوانها الشكوك المتبادلة والصراع على الولاء والاتهامات التي تنتهي بالاعتقال.
ولعل أكثر العبارات دلالة في هذه القضية ما ورد في مناشدة أحد الإسلاميين لإطلاق سراح أبو أنس، حين قال: أوقفوا سياسة تكسير العظم.
إنها عبارة تتجاوز المطالبة بالإفراج عن معتقل إلى وصف طبيعة الصراع نفسه. فتكسير العظم لا يستهدف إقناع الخصم أو مراجعة أفكاره، وإنما يستهدف إخضاعه وإجباره على التراجع، أو إبعاده عن دائرة التأثير. وحين تستخدم هذه اللغة داخل تنظيم سياسي واحد، فإنها تشير إلى أزمة في إدارة الاختلاف، وإلى انتقال الصراع من مجال الأفكار إلى مجال القوة.
وتزداد حدة المشهد في رسالة السيدة ندى لزوجها بقولها: (لن يضيرك كيد العبيد). وهي عبارة قاسية في دلالتها، تحمل غضباً واضحاً واحتقاراً لمن ترى أنهم دبروا الاعتقال. كما وصفت المشهد الذي جرى فيه اعتقال زوجها بأنه مهين لقائد مثله، قبل أن توجه انتقاداً إلى أشخاص قالت إنهم يجلسون خلف مكاتبهم، يحتسون القهوة ويتلذذون بسجن من تصفهم بالأبطال، بينما هربوا هم أنفسهم في لحظات الشدة.
هذه اللغة ليست مجرد تعبير عن ألم زوجة ترى أن زوجها تعرض للظلم وإنما تحمل اتهاماً أخلاقياً لقيادات تتهمها صاحبة الرواية بالاختباء خلف النفوذ والمكاتب، وترك المواجهة لمن يتحملون مخاطر العمل الميداني.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بصحة الاتهامات المتبادلة، وإنما بالمعايير التي تحكم العلاقات داخل الحركة الاسلامية. هل تقاس مكانة العضو بقدرته على تنفيذ الأوامر، أم بحقه في الاختلاف؟ وهل تتحول التضحيات السابقة إلى حماية مؤقتة، تنتهي بمجرد أن تتغير موازين القوى داخل التنظيم؟
إن اعتقال شخصية شبابية ارتبط اسمها بكتيبة براؤون، و
يثير أيضاً تساؤلاً عن العلاقة بين القيادات التنظيمية والعناصر التي شاركت في العمل الميداني. فالتنظيمات التي تستدعي الحماسة والتضحية من أعضائها تواجه مشكلة أخلاقية حين يشعر بعض هؤلاء بأن التضحيات لا تمنحهم مكانة أو حماية، وأن الولاء الذي طُلب منهم لا يقابله التزام مماثل من القيادات.
بعد مدة من الواقعة، تبقى القضية، كما عرضتها زوجته، نافذة للنظر في طبيعة الانقسامات التي عرفتها الحركة الإسلامية السودانية. فالأزمات الفكرية لا تظهر دائماً في صورة مراجعات مكتوبة أو نقاشات علنية؛ أحياناً تتخذ شكل اعتقالات ومناشدات وعبارات غاضبة، وتكشف ما تعجز البيانات التنظيمية عن إظهاره.
إن عبارة أوقفوا سياسة تكسير العظم تظل أكثر من نداء لإطلاق سراح شخص. إنها دعوة إلى مراجعة طريقة إدارة الخلاف داخل الحركة الاسلامية ، وإلى إدراك أن القوة قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع اقتناعاً، وأن الاعتقال قد يبعد المختلف من المشهد، لكنه لا يحل المشكلة التي جعلته مختلفاً.
إن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس حجم الخلاف بين أبو أنس وبعض القيادات الإسلامية، ولا قسوة العبارات التي استخدمتها زوجته، وإنما الخلافات الداخلية قد بلغت مرحلة أصبح فيها الخصم من داخل التنظيم هدفاً للإقصاء، لا شريكاً في مراجعة التجربة.
فحين يصبح الاختلاف سبباً لتكسير العظم، تكون الأزمة قد تجاوزت خلاف الأشخاص إلى سؤال أكبر: ماذا بقي من فكرة التنظيم إذا عجز عن حماية أعضائه من صراعاته الداخلية؟
نواصل
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.