في صباح السبت العاشر من اكتوبر 2026، حلقت طائرات حربية فوق منطقة شمال الوادي داخل الاراضي السودانية، على بعد امتار من الحدود المصرية، والقيت اكثر من خمس غارات متتالية على مواقع تجمع فيها مئات من المعدنين التقليديين. لم تصدر انذارات مسبقة، ولم تفتح ممرات انسانية. النتيجة كانت 72 قتيلا مدنيا على الاقل، وفق حصيلة اولية لمجموعة محامو الطوارئ، وعشرات الجرحى، وآلاف الفارين نحو الجبال بلا ماء ولا دواء. لكن الدهشة الحقيقية ليست في بشاعة الجريمة، فهي فصل جديد في سلسلة استهداف بدات منذ يونيو الماضي، بل في الصمت المطبق للسلطات السودانية، التي لم تصدر حتى الان اي بيان رسمي يدين القصف او حتى يسمي الجهة المنفذة.
هذا الصمت ليس عارضا عارضا، بل هو المفتاح الذي يفك شفرة العلاقة بين القاهرة والخرطوم في ما يتصل بثروات السودان المعدنية، ومناطق التعدين التقليدي على الحدود الشمالية بشكل خاص. العلاقة بين العاصمتين انتقلت، وفق الادلة المتوفرة، من مجرد تغاض متبادل الى شراكة تشغيلية كاملة الاركان. القاهرة تضرب، والجيش السوداني ينسحب بصمت، والذهب يتدفق شمالا.
قبل ساعات من انطلاق الغارات، انسحبت قوات القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني ووحدات الحركة الاسلامية، وهي الجهات التي كانت تجمع الرسوم والاتاوات من المعدنين في المنطقة، بشكل صامت ومفاجئ من المواقع المستهدفة. لا انذار، لا تحذير، ولا حتى محاولة لتفريغ المنطقة من المدنيين. المصدر الذي رصد هذه الحركة لا يصفها بالحادثة العابرة، بل يقدمها كدليل على وجود تنسيق مسبق بين الجيش السوداني وحلفائه وبين القاهرة، يفضي الى تطهير المناطق الغنية بالمعادن من المعدنين، مقابل الحصول على اسلحة ودعم عسكري، مع دفع النازحين الجدد نحو الفقر ومن ثم نحو التجنيد القسري.
هذا النمط ليس جديدا. في يونيو 2026، عندما نفذ الطيران المصري حملة مماثلة على المنطقة ذاتها، لم تدن السلطات السودانية الهجوم، بل اكتفت بالصمت. وفي اكتوبر، تكرر السيناريو بدقة ميكانيكية. الجيش السوداني ينسحب، الطيران المصري يضرب، والحكومة السودانية لا تنطق. وهنا يبرز السؤال: هل هذا الصمت عجز ام تواطؤ؟ المؤشرات تقول انه مزيج من الاثنين، لكن غلبة التواطؤ هي الارجح، لان العجز وحده لا يفسر توقيت الانسحاب ولا غياب اي محاولة لتحذير المدنيين.
لفهم دوافع هذا التنسيق، لا بد من تتبع حركة الذهب السوداني عبر الحدود الشمالية. في عام 2025، استوردت مصر 4.9 طن من الذهب السوداني، بقيمة 517 مليون دولار، اي زيادة بعشرين ضعفا مقارنة بالعام السابق. وفي النصف الاول من عام 2026 وحده، بلغت قيمة صادرات الذهب السوداني الى مصر نحو 901.1 مليون دولار، او ما يقارب 90 في المئة من اجمالي الصادرات السودانية الى مصر.
لكن الاهم من الارقام هو الالية. شركة المصرية السودانية، وهي مشروع مشترك بين الحكومتين المصرية والسودانية، تسيطر على ربع التجارة البالغة مليار دولار بين البلدين، واكثر من نصف صادرات السودان الى مصر تمر عبرها، بما في ذلك بين 2 و3 اطنان من الذهب سنويا. ووفق وثائق مسربة، فان هذه الشركة زودت كيانات مرتبطة بالجيش السوداني، بعضها خاضع لعقوبات امريكية واوروبية وبريطانية، بالسلع والتمويل، بينما كانت تحقق ارباحا ضخمة من وراء ذلك.
المنطق هنا بارد وحسابي. كلما اتسع نطاق السيطرة على مناطق التعدين، وكلما تم افراغها من المعدنين التقليديين، تضاعفت كميات الذهب التي تتدفق عبر القنوات الرسمية، اي عبر الشركة المشتركة، لتصب في نهاية المطاف في خزائن الدولة المصرية، ثم يعاد تصدير جزء منها الى الاسواق الدولية. الهدف ليس وقف استخراج الذهب، بل تفكيك الشبكات غير الخاضعة للرقابة الحكومية واعادة توجيه التجارة نحو قنوات اكثر انضباطا.
في سبتمبر 2025، نشرت وكالة السودان للانباء خبرا عن توقيع وزارة المعادن السودانية اتفاقا مع شركة ديب ميتالز المصرية بقيمة 277.3 مليون دولار للتنقيب عن الذهب والحديد في ولايات الشمالية والبحر الاحمر ونهر النيل والقضارف، مع انشاء مصفاة حديثة للذهب. لكن الوزارة نفت بعد يومين توقيع اي اتفاق من هذا القبيل. وبينما اكد رجل الاعمال المصري محمد الجارحي، الذي يمتلك 47 في المئة من اسهم الشركة، ان الاتفاقية وقعت فعلا برعاية وزير المعادن السوداني، نشر المدير العام للشركة بيانا يكذب ذلك.
وفي يونيو 2026، تداولت صفحات التواصل الاجتماعي خارج مصر انباء عن شراكة استراتيجية لانشاء 108 مناجم للذهب والمعادن النفيسة في شمال السودان، فنفت وزارة البترول المصرية ذلك بشكل قاطع. هذه النفيات الرسمية، سواء من الخرطوم او القاهرة، لا تنفي وجود نية استثمارية، بل تنفي فقط توقيع العقود. وهي مفارقة مكشوفة. بينما تنفي الحكومات رسميا، تتصاعد صادرات الذهب، وتتوسع الشركات المشتركة، وتصفى مناطق التعدين التقليدي واحدا تلو الاخر.
لا توجد حتى الان وثيقة رسمية منشورة تثبت بيع اراض سودانية للمصريين، لكن المؤشرات الاقتصادية والسياسية تشير الى ترتيبات فعلية تحت عناوين شراكة واستثمار وحماية حدود. فالقاهرة لا تحتاج الى ضم الارض، بل تحتاج الى ضبطها. لا تحتاج الى اعلان سيادة، بل تحتاج الى ضمان تدفق المعدن. والخرطوم، الغارقة في حرب وجودية، تبيع ما تستطيع من اجل البقاء. وهكذا يتحول المعدن الى عملة سياسية، ويتحول المعدنون الى فائض يجب التخلص منه.
لماذا تصمت الخرطوم؟ هناك ثلاثة احتمالات لا تتقاطع الا في نقطة واحدة. يمكن ان تكون الخرطوم شريكة في القرار، لان الجيش السوداني المحاصر في حرب ضد الدعم السريع يحتاج الى سلاح ودعم لوجستي، ومصر احد اهم موردي السلاح اليه، والمنفذ شبه الامن للاقتصاد السوداني المتهاوي. مقايضة الذهب مقابل البقاء قد تكون الخيار الاقل سوءا في حسابات قيادة الجيش. ويمكن ان تكون عاجزة عن الاحتجاج، لانها تفتقر الى ادوات الضغط. لا سيادة فعلية على الحدود، ولا قدرة جوية لردع الطيران المصري، ولا بديل اقتصادي عن القاهرة. ويمكن ان تكون غير معنية اصلا، لان حكومة الامر الواقع في بورتسودان لم تنتخب، وهي غير ممثلة للمناطق الشمالية التي تتعرض للقصف. معدني نهر النيل والشمالية ليسوا قاعدتها الجماهيرية، ولا يشكلون ثقلا انتخابيا او عسكريا يمكن ان يحرك موقفها. عمليا، هؤلاء المعدنون فائض لا يخدم اي طرف في المعادلة الحالية.
النقطة الوحيدة التي تلتقي فيها الاحتمالات الثلاثة هي انها تفضي الى النتيجة ذاتها. استمرار القصف دون عقاب، واستمرار تدفق الذهب شمالا، واستمرار تحويل المعدنين من منتجين مستقلين الى نازحين فقراء يمكن تجنيدهم في اي لحظة.
منطقة شمال الوادي ليست عشوائية. انها تمتد على الحزام الجيولوجي الذي يربط مناجم النوبة القديمة، من كرمة ونبتة ومروي الى بوهن، بمناجم الصحراء الشرقية المصرية. وهي المنطقة التي اثبتت الدراسات الانثروبولوجية انها كانت المصدر الرئيسي للذهب في مصر الفرعونية، وان العمال الذين استخرجوه كانوا من ابناء النوبة الاصليين. استهداف هذه المنطقة تحديدا، وافراغها من المعدنين التقليديين الذين يحملون هذه الذاكرة الجينية والثقافية، ليس مجرد عملية عسكرية لضبط الحدود. انه في القراءة الاعمق استكمال لمشروع محو الذاكرة الذي بدا منذ عقود. اطفاء كل شاهد حي على ان بناة الحضارة الاولى كانوا من اهل النوبة، وان الذهب الذي زين كنوز الفراعنة خرج من عروق هؤلاء المعدنين بالذات.
القانون الدولي الانساني يصنف الاستهداف المتعمد للمدنيين العاملين في مواقع التعدين التقليدي، وهم ليسوا اهدافا عسكرية باي معيار، ضمن جرائم الحرب، بموجب المادة الثامنة من ميثاق روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما ان استخدام القوة العسكرية ضد اراضي دولة اخرى دون مسوغ مشروع يشكل انتهاكا لميثاق الامم المتحدة ولسيادة الدول وسلامة اراضيها. وقد اشارت مجموعة محامو الطوارئ الى ان هذه الافعال قد ترقى الى جريمة العدوان اذا استوفت عناصرها القانونية. لكن غياب الية تنفيذ دولية، وغياب ارادة سياسية لدى مجلس الامن، يبقيان هذه التصنيفات حبرا على ورق.
بين القاهرة التي تنكر رسميا وتبتلع الذهب فعليا، وبورتسودان التي تصمت وتنسحب، يقف المعدن السوداني وحيدا في مواجهة طائرة لا تحمل علما، وجيش لا يحمل مسؤولية، وحكومة لا تحمل صوتا. الحجر في الاهرامات لا يكذب، والدم في العروق لا يتجنس، لكن البشر وحدهم هم من يمكن ان يصفوا من على وجه الارض بغارة واحدة، ما لم يجدوا صوتا يرفع جرائمهم الى مستوى العدالة، لا مجرد حبر في مقال.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.