دماء السودانيين بين صمت السلطة وحسابات السياسة!

محمد سراج محمد

 

 

إلى السادة أعضاء مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، وقيادات الحركات المسلحة المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية في معركة دحر التمرد:

يتوجه الشعب السوداني إليكم بأسئلة مشروعة، لا تحتاج الإجابة عنها إلى لجان مطولة أو اجتماعات مغلقة، بل إلى وضوح في الموقف، وشجاعة في اتخاذ القرار، وإحساس بالمسؤولية تجاه دماء السودانيين.

أولاً: هل أصبح الصمت الرسمي لغة الدولة الجديدة؟

أمام الأنباء المتداولة عن المجزرة التي شهدتها مناطق التعدين، والمنسوبة إلى طيران دخيل، ينتظر المواطن موقفاً رسمياً يوضح الحقائق، ويدين ما يثبت من اعتداءات، ويطمئن أسر الضحايا. فهل هذا الصمت انتظارٌ لاستكمال المعلومات، أم أن بيانات الدولة لا تتحرك إلا حين تكون كلفة الكلام أقل من كلفة السكوت؟

ثانياً: هل الدم السوداني غالٍ، أم أن غلاءه مجرد شعار؟

ما قيمة الحديث عن حماية المواطن إذا ظل المواطن يتساءل عن موقف دولته حين يُقتل أو يُستهدف؟ وهل أصبح على السوداني أن يخوض معركة البقاء وحده، ثم ينتظر من حكومته بياناً يعترف بوجود المأساة بعد أن تتجاوزها الأخبار؟

ثالثاً: هل تخشون إغضاب القاهرة أكثر من خشيتكم على دماء السودانيين؟

هل يُحسب التعبير عن موقف واضح إزاء ما يتعرض له السودانيون خسارةً في ميزان العلاقات مع مصر؟ وهل العلاقات بين الدول تُصان بتجنب الأسئلة الصعبة، أم بالمصارحة والاحترام المتبادل والندية؟

إن العلاقات التي تقوم على المصالح المشتركة لا ينبغي أن تكون حصانةً ضد المساءلة، ولا أن يتحول الحفاظ عليها إلى مبرر لتأجيل المواقف التي تمس كرامة المواطن وحقه في الحماية. فالدبلوماسية ليست فن الصمت إلى الأبد، بل فن قول الحقيقة بالوسيلة والتوقيت المناسبين.

أما المفارقة الساخرة، فهي أن المواطن السوداني قد يجد نفسه مطالباً بالصبر على الحرب، والصبر على النزوح، والصبر على الفقد، ثم الصبر على صمت المسؤولين أيضاً؛ وكأن الصبر هو المسؤول الوحيد الذي يؤدي واجباته بانتظام، بينما بقية مؤسسات الدولة في إجازة مفتوحة!

السادة المسؤولون، إن المطلوب ليس ضجيجاً إعلامياً، ولا اتهامات تسبق التحقيق، وإنما موقف رسمي واضح، وتحقيق جاد وشفاف، ومحاسبة عادلة لكل من تثبت مسؤوليته، وتحرك دبلوماسي يحفظ للسودان سيادته وللمواطن كرامته.

فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تجيب عن أسئلة شعبها في لحظات الألم، فمتى تجيب؟ وإذا كانت دماء المواطنين لا تفرض نفسها على جدول أعمال السلطة، فما الذي يستحق أن يتصدر ذلك الجدول؟

ختاماً، نقول: إن الدم السوداني غالٍ، وليس تفصيلاً هامشياً في حسابات السياسة، ولا رقماً عابراً في نشرات الأخبار. والصمت، وإن كان مبرراً مؤقتاً للتحقق من الوقائع، لا يجوز أن يصبح بديلاً دائماً عن المسؤولية.

فلا تستهينوا بصمت الشعب؛ فقد يصمت الناس حزناً، أو انتظاراً، أو فقداناً للثقة، لكن صمتهم لا يعني بالضرورة الرضا.

والسؤال الذي نضعه أمامكم، باسم كل سوداني ينتظر إجابة مقنعة: من يتحدث باسم الضحايا، ويحمي كرامة الوطن، حين يطول صمت أصحاب القرار؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.